من شوارع سوهاج إلى دهاليز العدالة.. حكايات اللواء خالد الشاذلي التي تكشف الوجه الإنساني لعالم الجريمة
في عالم يزداد تعقيدًا، حيث تختلط الحقيقة بالادعاء، وتتشابك الخيوط بين الجريمة والعدالة، جاءت الحلقة الثانية من بودكاست «استجواب في عالم الجريمة» لتفتح نافذة نادرة على كواليس البحث الجنائي، من قلب التجربة لا من صفحات الكتب، حلقة استثنائية حملت بين تفاصيلها حكاية رجل صاغته المهنة كما صاغ هو ملامحها، اللواء مساعد وزير الداخلية الأسبق خالد بهاء الشاذلي، الذي بدأ رحلته من شوارع سوهاج، وانتهى شاهدًا وصانعًا لملفات قضايا أصبحت لاحقًا مادة لحكايات وأفلام وروايات.
منذ اللحظات الأولى للحوار، بدا أن الحديث لن يكون تقليديًا. لم يكن استعراضًا للمناصب ولا سردًا جافًا للسنوات، بل رحلة إنسانية عميقة في تكوين ضابط، ثم محقق، ثم محامٍ، ظل يحمل داخله سؤالًا واحدًا لم يتغير: كيف نصل إلى الحقيقة دون أن نظلم أحدًا.
اللواء خالد الشاذلي، المولود عام 1961، تخرج في كلية الشرطة عام 1986، وبدأ خدمته الشرطية التي امتدت أكثر من ثلاثة عقود حتى عام 2019. لكنه، وعلى غير المتوقع، كشف عن حلم طفولته الذي لم يكن يرتبط بالزي الرسمي أو السلطة، بل بتدريس المرحلة الابتدائية، إيمانًا منه بأن بناء الإنسان يبدأ من السنوات الأولى، وأن التعليم الحقيقي هو حجر الأساس لأي مجتمع سليم.
هذا الوعي المبكر انعكس لاحقًا على فلسفته المهنية. فقد فرّق بوضوح بين الموظف الذي يؤدي واجبه بحرفية جامدة، والمحترف الذي يبدع ويؤثر ويغيّر. بالنسبة له، لم تكن الشرطة سلطة بطش، بل هيئة إصلاح، ولم يكن المحضر ورقة تُكتب، بل مصير أسرة كاملة قد يتغير بسبب أربعة أسطر غير دقيقة.
خلال دراسته في كلية الشرطة، تأثر بكبار فقهاء القانون وأساتذته، ومال بشكل خاص إلى مواد القانون الجنائي وعلم النفس الجنائي، معتبرًا أن فهم النفس البشرية لا يقل أهمية عن فهم النص القانوني. من هنا تشكّلت مدرسته الخاصة في الاستجواب، مدرسة تقوم على قاعدة واحدة: لا تملك جسد المتهم ولا عقله، بل حاول أن تصل إلى قلبه، فالحقيقة لا تُنتزع بالقوة بل تُستخرج بالفهم.
كان يؤمن أن الاستجواب الناجح يبدأ من قراءة لغة الجسد، ونبرة الصوت، وتفاصيل صغيرة قد لا يراها غير المتخصص. كان يفتح مع المتهم مسارات متعددة من الحديث، من الدين إلى الرياضة إلى الحياة، حتى يلمع بريق الاهتمام في عينيه، وهناك يبدأ الدخول الحقيقي إلى جوهر القضية. بالنسبة له، كان علم النفس الجنائي أداة حاسمة في كشف الحقيقة دون إهانة أو تعذيب.
تدرج الشاذلي في المناصب من قوات الأمن إلى البحث الجنائي، حتى أصبح مديرًا للمباحث ثم مديرًا للأمن. وفي كل مرحلة، ظل يحمل نفس القناعة: الخطأ في عمل ضابط المباحث ليس خطأً إداريًا، بل مصيبة إنسانية. لأن محضرًا واحدًا قد يدمّر حياة إنسان بريء إلى الأبد.
بعد خروجه من الخدمة، لم يتقاعد عن العدالة، بل انتقل إلى ساحة أخرى، ساحة المحاماة. اختار هذا الطريق لأنه رأى العدالة مثلثًا لا يستقيم إلا بتوازن أضلاعه: ضابط يحرر المحضر، ومحامٍ يدافع، وقاضٍ يحكم. أي خلل في ضلع واحد يفسد العدالة كلها. ومن هنا أسس عمله في المحاماة على نفس المبدأ الذي عاش به ضابطًا: لا دفاع عن مذنب، ولا تهاون في حق مظلوم.
روى الشاذلي خلال الحلقة واحدة من أكثر القضايا تأثيرًا في مسيرته، قضية قتل اعترف فيها ثلاثة أشخاص بالجريمة، بينما كان هو مقتنعًا ببراءتهم. لم يتعامل مع الاعتراف كحقيقة مطلقة، بل عاد إلى مسرح الجريمة، وقرأ التوقيتات، وراجع التفاصيل الدقيقة، حتى كشف تناقضًا زمنيًا حاسمًا أثبت استحالة ارتكابهم للجريمة. وبالفعل، قادته الخيوط إلى الجاني الحقيقي، في لحظة وصفها بأنها من أكثر اللحظات التي سجد فيها شكرًا لله.
كما تطرق إلى قضية أخرى كشفت أهمية الدليل الفني مقابل الدليل القولي، مؤكدًا أن الطب الشرعي والمعمل الجنائي هما الفيصل الحقيقي في القضايا الكبرى، وأن أي تناقض بين الأقوال والدليل العلمي يجب أن يُرجّح كفة الشك لصالح المتهم. هذه القناعة جعلته من القلائل الذين حرصوا على حضور التشريح بنفسه، ومتابعة التفاصيل العلمية، حتى لا يترك ثغرة قد تُستغل لاحقًا في المحكمة.
وفي حديثه عن الفجوة بين النص القانوني والتطبيق، أكد أن المشكلة ليست في القوانين بقدر ما هي في طريقة تنفيذها. فالقانون، من وجهة نظره، غني بالنصوص، لكنه يحتاج دائمًا إلى ضابط عاش الواقعة، وفهمها، وكتبها بضمير، لا مجرد مسطر سطور.
الحلقة لم تكن مجرد سرد لوقائع، بل درسًا عميقًا في أخلاقيات العدالة، وفي معنى أن تكون رجل قانون قبل أن تكون صاحب سلطة. خرج المستمع منها وهو يدرك أن عالم الجريمة ليس أسود وأبيض، وأن الحقيقة أحيانًا تختبئ خلف تفاصيل صغيرة لا يراها إلا من امتلك العلم والضمير معًا.
بهذه الروح، قدّم بودكاست «استجواب في عالم الجريمة» حلقة تُحسب له، ليس لأنها استضافت اسمًا كبيرًا، بل لأنها أعادت تعريف معنى العدالة، من خلال تجربة رجل آمن أن خدمة الناس هي جوهر أي منصب، وأن الوصول للحقيقة هو أقدس ما يمكن أن يسعى إليه الإنسان في عالم يمتلئ بالضجيج.
اللواء خالد الشاذلي، بودكاست استجواب في عالم الجريمة، البحث الجنائي، الاستجواب الجنائي، قصص حقيقية من المباحث، العدالة الجنائية، علم النفس الجنائي، قضايا قتل حقيقية، محاضر الشرطة، المعمل الجنائي، الطب الشرعي، العدالة في مصر، ضباط المباحث، قصص تحقيقات جنائية



