من الطفلة نيفين إلى الثلاثاء الحزين.. تاريخ مستشفى 57357 حين تحولت دموع الأطفال ووجع الفقد إلى حلم أنقذ آلاف الأرواح
حكاية مستشفى لم يُبنَ بعصا سحرية.. بل بدأ بصرخة ألم وبذرة خير كبرت حتى أصبحت حلمًا للمصريين
لم يولد مستشفى سرطان الأطفال 57357 في يوم وليلة، ولم تشيّده عصا سحرية، بل كان ثمرة رؤية آمنت بأن أطفال مصر يستحقون فرصة عادلة في الحياة، وجهد أناس مخلصين رفضوا الاستسلام لواقع صحي مؤلم، وقرروا أن يواجهوا المعاناة بالأمل، ونقص الإمكانيات بالتخطيط، ودموع الأمهات بإرادة التغيير.
إنها حكاية بدأت في الثمانينيات، حين كان الطفل المصاب بالسرطان يواجه المرض في ظروف قاسية، وكانت الإمكانيات المحدودة ونقص الأدوية والرعاية يضاعفان الألم، حتى أصبح مجرد توفير فرصة علاج مناسبة حلمًا ينتظر من يحوله إلى حقيقة.
ومن هنا بدأت الرحلة؛ رحلة لم يكن هدفها مجرد تطوير قسم داخل مستشفى، بل تغيير واقع علاج سرطان الأطفال في مصر، وتوفير رعاية صحية بمستوى عالمي، تقوم على مبدأ العدالة في العلاج، حتى لا يصبح مصير الطفل مرهونًا بظروفه أو بقدرة أسرته على تحمل تكاليف المرض.
البداية في منتصف الثمانينيات.. حين كان الألم أكبر من الإمكانيات
في منتصف الثمانينيات، كانت ميزانية الصحة محدودة، ولم يكن السرطان ضمن أولويات الاهتمام الحكومي بالقدر الذي تتطلبه معاناة المرضى. وكانت الدولة تتبنى آنذاك مشروعًا قوميًّا لمعالجة الجفاف، بهدف إنقاذ المواليد وخفض معدلات وفياتهم، بينما لم تكن تكلفة جميع الأدوية التي تدخل مصر سنويًا لعلاج أمراض السرطان والقلب والسكر تتجاوز مليون دولار.
وسط هذه الظروف، واجه المعهد القومي للأورام صعوبة في استيعاب الزيادة المتنامية في أعداد المرضى، مع نقص الأدوية والإمكانات، الأمر الذي انعكس على فرص الشفاء وارتفاع معدلات الوفيات بين الأطفال المصابين بالسرطان.
وكان قسم الأطفال بالمعهد صورة موجعة لواقع لا يليق بطفل يخوض معركة مع مرض خطير؛ ثمانية أسرّة فقط، تفصل بينها مسافة لا تتجاوز 30 سنتيمترًا، وعلى كل سرير طفلان، تصحبهما أمهاتهما، في مشهد تختلط فيه آلام المرض بضيق المكان وثقل الانتظار.
لم تكن المعاناة تتوقف عند ازدحام الأسرّة، فالشبابيك والبلكونات كانت مكسورة، لا تحمي الأطفال من ذباب الصيف ولا من برد الشتاء، وكانت الإمكانيات الطبية شديدة المحدودية، إلى درجة أن الطبيب كان يتسلم سرنجة واحدة لحقن الأطفال، رغم أن هؤلاء المرضى يعانون أساسًا من ضعف المناعة، فيضطر إلى حقن طفل، ثم غسل السرنجة بمحلول الملح لاستخدامها مع طفل آخر.
أما الإضاءة، فلم تكن كافية داخل القسم، وكان الظلام يعوق عمل الأطباء ليلًا، في وقت يحتاج فيه الأطفال إلى كل دقيقة من الرعاية والمتابعة.
وأمام هذا الواقع، لجأ الدكتور شريف أبوالنجا إلى صاحب شركة مقاولات، طالبًا منه التطوع لإصلاح الكهرباء والشبابيك، في محاولة لتخفيف جانب من المعاناة التي يعيشها الأطفال وأمهاتهم.
لم تكن هذه الإصلاحات كافية لتغيير الواقع كله، لكنها كانت بداية لفكرة أكبر: إذا كانت الإمكانيات محدودة، فإن الإرادة قادرة على فتح أبواب جديدة، وإذا كان الألم أكبر من قدرة فرد واحد، فإن اجتماع القلوب المخلصة يمكن أن يصنع فارقًا حقيقيًا.
1984.. الطفلة نيفين التي تركت جرحًا في القلب
في عام 1984، بدأ الطبيب الشاب الدكتور شريف أبوالنجا عمله في المعهد القومي للأورام، ليصطدم سريعًا بحقيقة مؤلمة لم تكن مجرد أرقام في تقارير أو حالات في ملفات طبية، بل وجوه أطفال ودموع أمهات وأرواح تتعلق بأمل النجاة.
وكانت الطفلة نيفين، إحدى أوائل مرضاه، من أبرز المواقف التي تركت أثرًا عميقًا في نفسه. كانت تعاني السرطان، وكان الطبيب يرى المعاناة في عينيها وعيني أمها، بينما تتراجع حالتها سريعًا في ظل نقص الرعاية والإمكانات.
ثم ماتت نيفين.
رحلت الطفلة، لكنها لم ترحل من ذاكرة الطبيب الشاب، وتركت في قلبه جرحًا كبيرًا، وفي داخله رغبة حقيقية في تغيير هذا الواقع الذي جعل الطبيب يقف عاجزًا أمام معاناة طفل يحتاج إلى فرصة أفضل للعلاج.
لم تكن قصة نيفين مجرد ذكرى حزينة، بل أصبحت واحدة من البدايات الإنسانية التي دفعت نحو التفكير في ضرورة التغيير، حتى لا تتكرر المأساة مع أطفال آخرين، وحتى لا يظل العجز هو النهاية التي يواجهها الطبيب حين تنفد الإمكانيات.
1986.. يوم الثلاثاء الذي غيّر مسار الحكاية
جاء عام 1986 ليحمل واحدة من أقسى اللحظات في رحلة الدكتور شريف أبوالنجا، وهي لحظة لم تكن مجرد أزمة عابرة، بل صدمة هزت إيمانه بقدرته على الاستمرار في مهنة الطب وسط هذه الظروف.
في أحد أيام الثلاثاء، تدهورت حالات عدد من الأطفال داخل المعهد القومي للأورام، ولم تكن الإمكانيات المتاحة تسمح بإجراء الفحوصات اللازمة؛ فلا صورة دم، ولا تحليل بوتاسيوم، ولا أشعة مقطعية، ولا رسم قلب، ولم يكن المتاح سوى الدم والمحاليل والكورتيزون.
ومع حلول الظلام، وقعت الفاجعة التي يصعب على الذاكرة أن تتجاوزها؛ توفي 13 طفلًا من بين 16 طفلًا في يوم واحد، أمام عيني الطبيب الشاب.
ثلاثة عشر طفلًا رحلوا في يوم واحد، بينما ظل سؤال الإمكانيات والرعاية يطارد من حاولوا إنقاذهم، ولم يتمكنوا من تقديم ما كانوا يتمنونه لهم.
كانت الصدمة أكبر من احتماله، فخرج الدكتور شريف من المعهد يائسًا، وقرر أن يهجر مهنة الطب نهائيًا، وكأنه لم يعد قادرًا على مواجهة مشهد الفقد المتكرر، ولا على تحمل الإحساس بالعجز أمام أطفال يحتاجون إلى فرصة للحياة.
جلس على سلم المعهد، مثقلًا بالحزن، وفي تلك اللحظة التي بدا فيها الطريق مسدودًا، تذكر فجأة أن الشيخ محمد متولي الشعراوي اعتاد الذهاب كل يوم ثلاثاء إلى مطعم أبوشقرة القريب من المعهد.
شعر الطبيب الشاب وكأنها رسالة تدفعه إلى التحرك، فتوجه إلى المطعم فورًا، وهناك وجد الشيخ الشعراوي بصحبة مجموعة من أصدقائه، هم السيد عبدالله سلام، مؤسس أوليمبيك إليكتريك، والسيد أحمد أبوشقرة، صاحب سلسلة مطاعم أبوشقرة، والسيد أحمد عبدالله طعيمة، وزير الأوقاف الأسبق.
عرّفهم الطبيب بنفسه، وحكى لهم ما يعانيه الأطفال، وشرح لهم حجم الأزمة التي يعيشها قسم الأورام، وما يواجهه الأطباء من نقص في المستلزمات والإمكانات.
وعلى الفور، عرض الشيخ الشعراوي التبرع للمعهد، واقتدى به أصدقاؤه في الاستعداد للمساهمة.
لكن الدكتور شريف لم يكن يبحث عن تبرع مالي عابر، بل أراد شيئًا أكثر تحديدًا واستمرارًا؛ طلب إصلاح قسم الأطفال وتوفير احتياجاته، حتى يتحول إلى نقطة مضيئة داخل المعهد، تمتد آثارها لاحقًا إلى بقية الأقسام.
واتفق معهم على تقديم تبرع شهري عيني بقيمة 50 جنيهًا، لبدء إصلاح القسم وتوفير المستلزمات الضرورية، مثل السرنجات والكانيولات والباتر فلاي وغيرها.
وأعلن الشيخ الشعراوي وأصدقاؤه التزامهم بالتبرع الشهري العيني، لتبدأ بذلك خطوة صغيرة في ظاهرها، لكنها كانت كبيرة في معناها؛ فقد وضعت أساسًا لفكرة تقوم على الاستمرار في العطاء، بدلًا من الاكتفاء بالمساعدة المؤقتة.
ومرت السنوات، ورحل الشيخ الشعراوي وأصدقاؤه، لكن الخير الذي بدأوه لم يتوقف؛ إذ استمر التبرع الشهري حتى اليوم من أبنائهم، ليظل ذلك العطاء شاهدًا على أن بعض الأعمال لا تنتهي برحيل أصحابها، بل تواصل الحياة من خلال أثرها.
وهكذا بقيت ذكرى الشيخ الشعراوي وأصدقائه حاضرة بكل التقدير، بوصف عطائهم صدقة جارية وبذرة خير أولى ساهمت في تأسيس الطريق الذي قاد إلى مستشفى سرطان الأطفال 57357.
فكر جديد.. لأن أطفال مصر يستحقون العلاج مثل أطفال العالم
لم تكن المشكلة مقتصرة على نقص الأسرّة أو المستلزمات، بل امتدت إلى طبيعة العلاج نفسه. فحتى منتصف الثمانينيات، كان الأطفال المصابون بسرطان العظام في مصر يتعرضون لبتر أطرافهم، في وقت بدأت فيه دول أخرى تطور جراحات دقيقة تتيح استئصال الورم والأنسجة المصابة، ثم توصيل الأعصاب، دون اللجوء إلى البتر في الحالات المناسبة.
كانت هذه التطورات تفتح بابًا جديدًا للأمل، وتطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا لا يحصل أطفال مصر على مستوى الرعاية نفسه الذي يحصل عليه الأطفال في الدول المتقدمة؟
من هذا السؤال وُلد فكر جديد لتطوير قسم الأطفال بالمعهد القومي للأورام؛ فبدلًا من الاستسلام للواقع، أصبح الهدف هو نقل الخبرات الطبية المتطورة، وتوفير إمكانيات تسمح بتقديم علاج أكثر تقدمًا، يمنح الأطفال فرصًا أفضل للنجاة والحفاظ على أطرافهم كلما كان ذلك ممكنًا طبيًا.
وفي هذه المرحلة، تبنت اثنتان من أهل الخير، السيدة سمية أبوالعينين والسيدة علا غبور، دعم جراحات العظام الدقيقة والمتطورة، التي بدأ إجراؤها على يد الطبيب الشاب الدكتور شريف أمين، بعد سفره إلى الخارج وتدربه على هذه التقنيات.
لم يكن الأمر مجرد إدخال أسلوب جراحي جديد، بل كان تحولًا في طريقة التفكير نفسها؛ فالتبرع لم يعد هدفه سد احتياج عاجل فقط، وإنما أصبح وسيلة لنقل المعرفة الطبية وتطوير العلاج وبناء مستقبل مختلف للأطفال المرضى.
1990.. بروتوكولات علاج جديدة وأمل أكبر في النجاة
مع حلول عام 1990، بدأ تطبيق بروتوكولات علاج عالمية منتظمة لسرطان العظام، في خطوة ساهمت تدريجيًا في حماية الأطفال من البتر، وتحسين نسب الشفاء في هذا المجال.
ومع زيادة معدلات بقاء الأطفال على قيد الحياة، بدأت التوسعات داخل قسم الأطفال، فارتفع عدد الأسرّة من ثمانية إلى 30 سريرًا، ثم إلى 60 سريرًا.
وجاء تمويل 30 سريرًا من خلال نوادي إنرويل وروتاري الجيزة، ونادي روتاري أوس هولندا، قبل أن تنجح الجهود في زيادة الطاقة الاستيعابية إلى 120 سريرًا.
كانت زيادة عدد الأسرّة تعني أكثر من مجرد توفير أماكن إضافية؛ فقد عكست اتساع القدرة على استقبال الأطفال وتقديم الرعاية لهم، وأكدت أن تطوير العلاج وتحسين فرص النجاة يمكن أن يفتحا الباب أمام توسع أكبر في الخدمات الطبية.
ومن ثمانية أسرّة كانت تختصر مشهد العجز في البداية، بدأت الرحلة تتقدم نحو قدرة استيعابية أكبر، ومع كل خطوة كان يتأكد أن الاستثمار في العلاج والخبرة والإمكانات يمكن أن يغير حياة الأطفال وأسرهم.
1994.. ولادة الصيدلة الإكلينيكية في مصر
لم يتوقف التطوير عند جراحات العظام أو زيادة عدد الأسرّة، بل امتد إلى تفاصيل العلاج اليومية، وعلى رأسها الدواء الذي يحتاج إليه الطفل المصاب بالسرطان، وطريقة شرائه ونقله وحفظه وتحضيره وتحديد جرعاته.
بدأ الدكتور شريف أبوالنجا التفكير في إدخال تخصص جديد إلى المعهد لم يكن موجودًا في مصر آنذاك، وهو الصيدلة الإكلينيكية، التي تجعل الصيدلي مسؤولًا عن متابعة الدواء في مختلف مراحله، بدءًا من إجراءات الشراء والنقل والحفظ والتخزين لضمان فاعليته، وصولًا إلى تحضيره والمشاركة في تحديد الجرعات المناسبة لكل مريض.
ويقوم هذا التخصص على تحقيق أعلى فاعلية علاجية ممكنة، وتقليل المضاعفات، وترشيد استهلاك الدواء والنفقات، بما يضمن الاستفادة المثلى من الإمكانيات المتاحة.
وفي عام 1994، أُنشئت أول صيدلية إكلينيكية في مصر داخل حجرة بالمعهد القومي للأورام، ملحق بها مطبخ وحمام.
قد تبدو البداية متواضعة أمام ما أصبح عليه التخصص لاحقًا، لكنها حملت فكرة طموحة؛ إذ تحولت تلك الحجرة إلى نواة لما أصبح أكبر قسم للصيدلة الإكلينيكية في مصر داخل مستشفى 57357.
وأصبح القسم لاحقًا مرجعًا لهذا التخصص، يضم فريقًا على أعلى مستوى، وتخصصات دقيقة لا مثيل لها في مكان آخر بمصر، كما يمنح أول درجة «فارم دي» في هذا التخصص بالتعاون مع جامعة كولورادو الأمريكية.
وهكذا تحولت مساحة محدودة داخل المعهد إلى نقطة انطلاق لتطوير منظومة الدواء، في دليل على أن التغيير الكبير قد يبدأ أحيانًا من حجرة صغيرة، إذا توفرت الرؤية والإصرار والخبرة.
1995.. حملة إعلانية أعادت رسم خريطة التبرع في مصر
كان تطوير الرعاية الطبية يحتاج إلى موارد مالية أكبر من تلك المتاحة، وكان من الضروري التفكير في وسيلة جديدة تجعل المجتمع شريكًا في دعم الأطفال مرضى السرطان.
وفي عام 1995، بدأ أول تفعيل للعمل الاجتماعي داخل هذا المسار بصورة مختلفة، بعدما تبرع ثلاثة من رجال الأعمال للمعهد بمبلغ 750 ألف جنيه، وهم حسام قباني وأحمد بهجت وصفوان ثابت.
وطرح الدكتور شريف أبوالنجا، المسؤول عن قسم الأطفال بالمعهد، على الدكتور رضا حمزة، عميد المعهد آنذاك، فكرة جديدة تقوم على توجيه هذه الأموال لتنفيذ حملة إعلانية ضخمة لجمع التبرعات، باعتبارها مبادرة غير مسبوقة بهذا الشكل في مجال العمل الخيري بمصر.
كانت الفكرة جريئة؛ ففي ذلك الوقت، لم تكن التبرعات السنوية التي تصل إلى المعهد تتجاوز مليون جنيه، وكان توظيف جزء من الموارد في حملة إعلانية واسعة يحمل مخاطرة محسوبة، لكنه كان يفتح الباب أمام الوصول إلى جمهور أوسع، وتعريف المصريين بحجم احتياجات الأطفال وأهمية دعمهم.
ولكي تقوم التجربة على أسس علمية صحيحة، استعان القائمون عليها بخبرة طارق نور، رائد فن الإعلان في مصر، الذي تبرع بجهده وفكره لتنفيذ الحملة.
وجاءت اللحظة الفارقة في رمضان عام 1995، حين انطلقت الحملة الإعلانية الضخمة، لتصل رسالة الأطفال إلى قلوب المصريين، وتلفت أنظارهم إلى أهمية دعم مرضى السرطان.
لم تكن الحملة مجرد إعلانات، بل كانت دعوة مجتمعية للمشاركة في إنقاذ الأطفال، وتحولت إلى حراك واسع تجاه العمل الخيري، حتى إن طوابير المتبرعين للمعهد كانت تغلق شارع قصر العيني وتمتد إلى الكورنيش.
وكانت الأرقام أكبر من التوقعات؛ إذ وصلت التبرعات خلال شهر رمضان وحده إلى 28.5 مليون جنيه، ثم استمر الإقبال حتى بلغ إجمالي التبرعات 72 مليون جنيه خلال العام كله، بعدما كانت لا تتجاوز مليون جنيه سنويًا.
لقد أثبتت التجربة أن العمل الخيري لا يعتمد فقط على وجود أهل الخير، بل يحتاج أيضًا إلى القدرة على إيصال الرسالة، وبناء الثقة، وتحويل التعاطف إلى مشاركة فعلية.
ومن هنا، أصبحت حملة عام 1995 محطة مهمة في تطوير العمل الاجتماعي وجمع التبرعات، وأظهرت كيف يمكن لفكرة إعلامية مدروسة أن تحشد المجتمع حول قضية إنسانية تستحق الدعم.
1996.. زيارة سانت جود وبداية الحلم الأكبر
بعد سنوات من العمل والتطوير داخل المعهد القومي للأورام، بدأت ملامح حلم أكبر تتشكل في ذهن الدكتور شريف أبوالنجا.
وفي عام 1996، سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وزار مستشفى سانت جود، بوصفها نموذجًا عالميًا متخصصًا في علاج سرطان الأطفال.
هناك، شاهد كيف يمكن للمؤسسات الطبية المتخصصة أن تقدم رعاية متقدمة، وكيف تستطيع الجامعات والمستشفيات الكبرى أن تعمل ضمن منظومة تستند إلى البحث العلمي والخبرة والتخطيط، بما يمنح الأطفال فرصًا أفضل للعلاج.
كما لفت انتباهه أن أفضل المستشفيات والجامعات في الولايات المتحدة كانت منظمات غير حكومية أنشأها المجتمع المدني، وهو ما عزز لديه قناعة بأن المجتمع قادر على تأسيس مؤسسات طبية كبرى، إذا اجتمعت الرؤية والموارد والإدارة الجيدة.
ومن هذه الزيارة وُلد حلم إنشاء مستشفى مماثل في مصر، بل أكبر مستشفى لعلاج سرطان الأطفال في العالم، بحيث لا يضطر الطفل المصري إلى مواجهة المرض في ظل نقص الإمكانيات، وإنما يحصل على فرصة علاج متقدمة داخل بلده.
وشجع الدكتور رضا حمزة هذا الحلم، الذي اعتمدت فكرته الأساسية على جمع التبرعات والاستناد إلى دعم المجتمع المدني، بدلًا من الاعتماد على الدولة وحدها.
كان الحلم أكبر من حدود قسم داخل معهد، وأبعد من مجرد زيادة عدد الأسرّة أو توفير دواء؛ فقد أصبح الهدف تأسيس مستشفى متخصص، يقوم على منظومة متكاملة للعلاج والرعاية والتطوير، ويمنح الأطفال وأسرهم مساحة أوسع للأمل.
وهكذا، بين دموع الطفلة نيفين، وصدمة الثلاثاء الذي فقد فيه 13 طفلًا حياتهم، والتبرع الشهري الذي بدأ بخمسين جنيهًا، والتطور الطبي الذي ساعد على حماية أطفال من البتر، والحملة الإعلانية التي حشدت ملايين الجنيهات، ثم زيارة سانت جود عام 1996، أخذ الحلم يتشكل خطوة بعد أخرى.
مستشفى 57357.. حكاية حلم بدأ بدموع طفل، وصنعه المصريون بالتبرعات ليصبح منارة لعلاج السرطان
من سرير محدود الإمكانات إلى صرح عالمي.. كيف اجتمع المصريون لإنقاذ أطفالهم من السرطان؟
لم تبدأ حكاية مستشفى سرطان الأطفال مصر 57357 من مبنى ضخم تتلألأ أضواؤه، ولا من أجهزة طبية متطورة أو غرف علاج مجهزة بأحدث التقنيات، وإنما بدأت من وجع إنساني عميق، ومن مشاهد قاسية عاشها أطباء وأطفال داخل أجنحة محدودة الإمكانات، ومن سؤال ظل يطارد ضمائر المخلصين: كيف يمكن أن يحصل كل طفل مصاب بالسرطان على فرصة حقيقية للعلاج، مهما كانت ظروف أسرته المادية؟
من هذا السؤال وُلد حلم تجاوز حدود المستشفى التقليدي، ليتحول إلى مشروع وطني شارك في صنعه المصريون من مختلف فئات المجتمع، وامتدت أيادي الخير فيه إلى أصدقاء مصر في أنحاء العالم، ولا سيما في الدول العربية، حتى أصبح مستشفى سرطان الأطفال مصر 57357، المعروف عالميًا باسم CCHE 57357، نموذجًا لما تستطيع الإرادة الجماعية تحقيقه عندما تتوحد حول قضية إنسانية لا تعرف التمييز بين طفل وآخر.
لقد اجتمع الأطباء ورجال الأعمال وسيدات العمل الخيري والإعلاميون والفنانون والطلاب ومؤسسات الدولة والمجتمع المدني، وشارك المصريون في الداخل والخارج في بناء حلم لم يكن هدفه إنشاء مبنى لعلاج الأورام فحسب، بل تأسيس منظومة متكاملة تمنح الأطفال فرصة أفضل للحياة، وتضع الأسرة في قلب رحلة العلاج، وتؤكد أن المرض لا ينبغي أن يحرم طفلًا من حقه في الرعاية الطبية المتقدمة بسبب عجز أسرته عن دفع تكاليف العلاج.
ومنذ انطلاق المشروع، كانت الفكرة واضحة: إنشاء مستشفى متطور ومتخصص في علاج أورام الأطفال، يقدم خدماته مجانًا، ويعمل وفق أحدث الأساليب العلمية، ويمنح كل طفل يصل إليه فرصة للعلاج والشفاء دون تمييز.
البداية من معاناة الأطفال.. حين أصبح الألم دافعًا لتغيير الواقع
كان واقع علاج أورام الأطفال في مصر هو الخلفية التي تشكلت أمامها ملامح هذا الحلم، فقد احتاج المرضى إلى إمكانات تشخيصية وعلاجية متقدمة، وإلى منظومة تجمع بين العلاج الطبي والرعاية النفسية والاجتماعية والتأهيل والتعليم، بدلًا من أن يقتصر التعامل مع المرض على الأدوية والإجراءات الطبية وحدها.
وأدرك الأطباء الذين عايشوا هذه المعاناة أن إنقاذ الأطفال لا يتطلب فقط زيادة عدد الأسرة أو توفير بعض الأجهزة، وإنما يحتاج إلى تغيير شامل في فلسفة الرعاية الصحية، بحيث تصبح الجودة والبحث العلمي والتدريب وتطوير الخدمات عناصر أساسية في التعامل مع المرض.
ومن هنا بدأت رحلة طويلة من المبادرات التي استهدفت تخفيف الأعباء عن المعهد القومي للأورام، وتطوير خدماته، ثم الانتقال إلى التفكير في إنشاء مستشفى مستقل ومتخصص يستطيع أن يستوعب أعدادًا أكبر من الأطفال، ويوفر لهم رعاية شاملة وفق معايير متقدمة.
لم يكن الطريق سهلًا، ولم تكن الموارد المتاحة كافية لتحقيق الحلم دفعة واحدة، لكن أصحاب المبادرة اختاروا أن يبدأوا بما يستطيعون، وأن يجعلوا من كل مشروع صغير خطوة نحو الهدف الأكبر، حتى تحولت المبادرات المتفرقة إلى مسار متكامل انتهى بقيام مؤسسة صحية أصبحت علامة بارزة في مجال علاج سرطان الأطفال.
جمعية أصدقاء المعهد القومي للأورام.. الخطوة الأولى نحو الحلم الكبير
بدأ التفكير في إنشاء جمعية أصدقاء المعهد القومي للأورام بهدف تخفيف الأعباء المالية عن المعهد، ومساندة المرضى، والمساهمة في تطوير الخدمات المقدمة إليهم، وفي عام 1998 تأسست جمعية أصدقاء المبادرة القومية ضد السرطان، التي عُرفت سابقًا باسم جمعية أصدقاء معهد الأورام.
وضمت قائمة المؤسسين مجموعة من أطباء المعهد القومي للأورام، ورجال الأعمال، وسيدات المجتمع، ممن جمعهم الإيمان بضرورة تحويل العمل الخيري من مجرد مساعدات متفرقة إلى مشروعات منظمة تستند إلى التخطيط العلمي وتستهدف حل المشكلات من جذورها.
وكان من بين المؤسسين المهندس حسام قباني، والأستاذ محمد محب، والدكتور شريف أبو النجا، والسيدة سمية أبو العينين، والسيدة علا غبور، والسيدة سهير فرغلي، والسيدة فكرية عبد الحميد، والدكتور حاتم الجبلي، والدكتورة منال زمزم، والممرضة الكندية السيدة باتريشيا برودون.
وتولى الدكتور رضا حمزة، عميد المعهد القومي للأورام آنذاك، رئاسة الجمعية بوصفه أول رئيس لها، بينما تولى الدكتور شريف أبو النجا منصب السكرتير العام، وتولى الأستاذ محمد محب أمانة الصندوق.
ولم يكتفِ المؤسسون بتأسيس كيان إداري، بل سعوا إلى توفير الإمكانات التي تساعد الجمعية على أداء دورها، فخصص الدكتور شريف أبو النجا مقر عيادته لصالح الجمعية لمدة 15 عامًا، قبل أن ينتقل إلى عيادة أخرى، في خطوة جسدت طبيعة المبادرة التي قامت على تسخير الإمكانات الشخصية لخدمة قضية عامة.
وبقيادة الإدارة والمؤسسين، تبنت الجمعية منهجًا علميًا في معالجة المشكلات التي تواجه المعهد، ونجحت في تنفيذ عدد من المشروعات المهمة، شملت تطوير المرافق، وتطوير عيادة الأطفال بالمعهد، وإنشاء مشروع الصيدلة الإكلينيكية، ومعمل الجينات، ومعمل التبرع بالصفائح الدموية، ودار الضيافة، وبرنامج التبرع بالدم لتوفير دم آمن للمرضى.
كما اهتمت الجمعية بمشروعات التعليم والتدريب، بهدف رفع مستوى الأطباء وتعزيز قدراتهم المهنية، انطلاقًا من قناعة بأن تحسين علاج المرضى لا يتحقق بالأجهزة والأدوية وحدها، وإنما يحتاج أيضًا إلى كوادر مؤهلة تستطيع استخدام الإمكانات المتاحة بكفاءة.
ومع نجاح هذه المشروعات، بدأ يتبلور التفكير في خطوة أكبر، تتجاوز تطوير الخدمات القائمة إلى إنشاء مستشفى مستقل يكون الأول من نوعه في مصر والمتخصص في علاج سرطان الأطفال.
من تطوير المعهد إلى تأسيس مستشفى مستقل.. ولادة الفكرة الكبرى
أدرك القائمون على الجمعية أن حجم الاحتياجات يتطلب إنشاء مؤسسة مستقلة تستطيع تقديم رعاية متخصصة على نطاق أوسع، وتستوعب أعدادًا أكبر من الأطفال، وتجمع تحت سقف واحد مختلف التخصصات الطبية والعلاجية والتأهيلية.
وتقدم الدكتور شريف أبو النجا، والمهندس حسام قباني، والأستاذ محمد محب، الصفوف الأولى في المبادرة الجديدة، وساندتهم مجموعة من السيدات البارزات في العمل الخيري، وهن علا غبور، وفكرية عبد الحميد، وسهير فرغلي، وسمية أبو العينين.
وكانت الخطوة الأولى هي الحصول على الموافقات اللازمة لإنشاء المستشفى، فتواصل أصحاب المبادرة مع الدكتور مفيد شهاب، رئيس جامعة القاهرة آنذاك، لعرض المشروع وشرح أهدافه الإنسانية والطبية، وتم الحصول على الموافقة على إنشائه.
لم تكن الفكرة مجرد بناء مستشفى إضافي، بل كانت تستهدف إنشاء مركز متخصص يستطيع أن يقدم نموذجًا مختلفًا في رعاية الأطفال المصابين بالسرطان، ويجمع بين العلاج المتقدم والإدارة الحديثة والبحث العلمي، مع ضمان ألا تقف الإمكانات المالية للأسرة عائقًا أمام حصول الطفل على الرعاية.
ومع بدء التحرك الجاد، أصبح المشروع بحاجة إلى أرض تستوعب هذا الحلم، وإلى تمويل يكفي لإعداد دراسة علمية وتصميم منشأة قادرة على تقديم خدمات علاجية متطورة، وإلى منظومة تجمع التبرعات وتدير الموارد وتضمن توجيهها إلى الأهداف المحددة.
أرض المدبح القديم.. مساحة صغيرة كادت تتحول إلى حلم أكبر
في عام 1998، استطاعت الجمعية الحصول على أرض المشروع، وهي أرض المدبح القديم، التي كانت أرضًا عشوائية مملوكة للجمعية المصرية للتنمية الاجتماعية والثقافية بمنطقة السيدة زينب، وبلغت المساحة التي جرى الحصول عليها في البداية نحو 1800 متر مربع.
وكانت الأرض تمثل بداية عملية للمشروع، لكنها لم تكن كافية لتحقيق التصور الكبير الذي كان يدور في أذهان القائمين عليه، إذ كانت طموحاتهم تتجاوز إنشاء مستوصف محدود الإمكانات إلى بناء مستشفى متخصص يستطيع استيعاب أعداد كبيرة من المرضى، ويضم الأقسام والخدمات اللازمة للعلاج الحديث.
وفي هذا السياق، لعبت السيدة علا غبور دورًا في السعي للحصول على موافقة الدكتور فتحي سرور، الذي كان يرأس الجمعية المعنية بالأرض ويشغل منصب نائب عن دائرة السيدة زينب آنذاك، على تخصيصها للمستشفى، كما أقنع الدكتور فتحي سرور الدكتور عبد الرحيم شحاتة، محافظ القاهرة وقتها، بتخصيص الأرض لإقامة المشروع.
ومع تقدم التصورات الخاصة بالمستشفى، اتضح أن المساحة الأولية لن تحقق الطموح المطلوب، فبدأ التحرك من أجل تعديلها وتوسيعها، حتى تتناسب مع تصميم مستشفى متكامل يستطيع أن يواكب تطور علاج سرطان الأطفال، ويستوعب التوسع المستقبلي في الخدمات.
وكانت هذه الخطوة واحدة من المحطات التي كشفت أن المشروع لا يقوم على الحماس وحده، وإنما يحتاج إلى تفاوض وتخطيط وتعاون بين الأطباء ورجال الأعمال والمسؤولين، حتى تتحول الفكرة إلى منشأة قابلة للتنفيذ.
سبعة رجال أعمال يضعون حجر التمويل.. لماذا اختاروا دراسة الجدوى بدلًا من البناء السريع؟
في العام نفسه، 1998، قدم سبعة من رجال الأعمال مبادرة تمويلية مهمة، إذ قرر كل منهم التبرع بمليون جنيه، وكان من بينهم المهندس حسام قباني، ورجل الأعمال نجيب ساويرس، ورجل الأعمال محمد أبو العينين، والأستاذ محمد محب ممثلًا لشركة صادكو، ورؤوف غبور، وسهير فرغلي.
وبذلك أصبح لدى أصحاب المشروع سبعة ملايين جنيه، وهو مبلغ كان من الممكن أن يُستخدم في إنشاء مستوصف لعلاج الأطفال، لكن القائمين على المبادرة لم يريدوا الاكتفاء بحل محدود لا يحقق طموحاتهم على المدى البعيد.
كان الحلم أكبر من ذلك بكثير، ولذلك اختاروا أن يوجهوا الأموال إلى دراسة جدوى علمية تنفذها شركة أمريكية، بهدف تحديد الاحتياجات الطبية والهندسية والتشغيلية، ووضع تصور لمستشفى قادر على تقديم خدمات متقدمة وفق معايير عالمية.
كان القرار يحمل رسالة مهمة، وهي أن العمل الخيري لا يعني إنفاق الأموال بسرعة، وإنما توجيهها إلى المسار الأكثر قدرة على تحقيق أثر مستدام، فالمؤسسة التي ستتعامل مع حياة الأطفال تحتاج إلى تخطيط دقيق، وإلى حسابات واضحة للتكاليف والتجهيزات والتشغيل، وإلى تصور متكامل للمستقبل.
ومن هنا بدأ المشروع يتحرك من مرحلة الفكرة إلى مرحلة الإعداد العلمي، لتصبح دراسة الجدوى نقطة تحول في تحديد حجم المستشفى وطبيعة خدماته، بدلًا من الاكتفاء بإنشاء منشأة صغيرة قد لا تستطيع تلبية الاحتياجات المتزايدة.
من 1800 متر إلى 20 ألف متر.. حوار غيّر مستقبل المشروع
كانت مساحة الأرض أحد التحديات الرئيسية التي واجهت القائمين على المشروع، إذ جرى إعداد التصميم على أساس مساحة أكبر بكثير من المساحة التي حصلت عليها الجمعية في البداية.
وعندما التقى الدكتور شريف أبو النجا بالدكتور فتحي سرور، بدعم من السيدة علا غبور، أوضح له أن التصميم الذي أُعد للمستشفى يعتمد على مساحة إجمالية تبلغ 20 ألف متر مربع، وأن تحقيق الرؤية الطبية والهندسية للمشروع يتطلب توفير المساحة كاملة.
وأمام إيمان الدكتور فتحي سرور بأهمية المشروع ودوره الإنساني، واقتناعه بجدية القائمين عليه، وافق على منح الأرض بالكامل وفق الرواية التي نقلها القائمون على المشروع.
وقال الدكتور فتحي سرور، في وصفه لسبب الموافقة: «وافقت حينما شاهدت حماس الطبيب الشاب الدكتور شريف، ورأيت بنفسي الجدية في تنفيذ المشروع».
لم يكن الأمر مجرد زيادة في مساحة الأرض، بل كان تحولًا مهمًا في قدرة المشروع على الانتقال إلى تصميم أكثر اتساعًا، يستوعب الأقسام الطبية والخدمات المساندة والمرافق اللازمة لتشغيل المستشفى، ويتيح وضع رؤية طويلة المدى للتوسع والتطوير.
وتولت الجمعية مسؤولية طرح المناقصات، وتنفيذ أعمال التصميم والبناء والأعمال الكهربائية والميكانيكية والديكورات الداخلية والتجهيزات، إلى جانب جمع التبرعات اللازمة لاستكمال المشروع.
كما جرى الاتفاق على أن تنفصل الجمعية عن المعهد القومي للأورام، وأن يتولى رئاستها بعد ذلك أحد رجال الأعمال، مع استثناء الدكتور رضا حمزة، أول رئيس لها، باعتباره من المؤسسين الأوائل.
وهكذا اتسعت دائرة المشروع، وأصبح بحاجة إلى مؤسسة قادرة على إدارة أعمال البناء والتجهيز، وتعبئة الموارد، ثم الانتقال لاحقًا إلى تشغيل المستشفى وضمان استدامته.
حجر الأساس عام 1999.. بداية معركة جمع التبرعات
في عام 1999، وضعت السيدة سوزان مبارك حجر الأساس للمشروع، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من العمل، لم يعد فيها التحدي مقتصرًا على الحصول على الأرض أو وضع التصميم، بل أصبح توفير التمويل اللازم للبناء والتجهيز هو المهمة الأكبر.
وكان القائمون على المشروع يدركون أن إنشاء مستشفى متخصص بهذا الحجم يحتاج إلى موارد ضخمة، وأن التبرعات التقليدية المحدودة لن تكون كافية لإنجاز الحلم في الوقت المطلوب، لذلك اتجهوا إلى إعداد حملة منظمة لجمع التبرعات، تعتمد على التخطيط والإعلام والتواصل المباشر مع المواطنين.
وشكلت الحملة التي أطلقتها الجمعية نقلة في مجال تنمية الموارد، إذ سعت إلى نقل المشروع من دائرة المتبرعين المعروفين إلى مساحة أوسع، تشمل مختلف فئات الشعب المصري، وتمنح كل مواطن فرصة للمشاركة، مهما كان حجم مساهمته.
وكانت البداية بماراثون ضخم نظم عام 2000، حضره كبار رجال الدولة، وشارك فيه أكثر من خمسين ألف مواطن، في مشهد جسد اتساع قاعدة التأييد الشعبي للمشروع، وأظهر أن قضية علاج الأطفال من السرطان قادرة على جمع الناس حول هدف إنساني مشترك.
ولم تعتمد الجمعية على الفعاليات الجماهيرية وحدها، بل أطلقت حملة إعلانية وإعلامية واسعة النطاق، لم يكن لها مثيل من قبل في هذا المجال، بهدف تعريف الناس بالمشروع، وشرح أهميته، وتحويل التعاطف مع الأطفال المرضى إلى مشاركة عملية في تأسيس المستشفى.
طارق نور.. حين تحولت قوة الإعلان إلى وسيلة لإنقاذ الأطفال
كان للإعلان دور مهم في تعريف المجتمع بالمشروع، وفي هذا السياق، ساند رائد فن الإعلان طارق نور المبادرة، وتولى تنفيذ الحملة الإعلانية التي حققت نجاحًا كبيرًا في جذب انتباه الجمهور إلى حلم المستشفى.
ولم تكن الحملة مجرد مواد دعائية تقليدية، بل استهدفت الوصول إلى مشاعر الناس وإقناعهم بأن مساهمتهم، مهما بدت بسيطة، يمكن أن تكون جزءًا من مشروع ينقذ حياة طفل، ويوفر له فرصة للحصول على العلاج الذي يحتاج إليه.
كما شاركت شخصيات إعلامية شهيرة في دعم المشروع، من بينها الإعلامية الكبيرة آمال فهمي، والإعلامي الكبير طارق علام، وأسهم حضورهم في توسيع دائرة التعريف بالمبادرة والوصول بها إلى شرائح مختلفة من المجتمع.
وكانت النتيجة التفاف المصريين حول المشروع، وازدياد الاهتمام به، وتحول مستشفى سرطان الأطفال من فكرة يتبناها عدد من الأطباء ورجال الأعمال وسيدات العمل الخيري إلى قضية عامة يتفاعل معها المواطنون، ويشعرون بأن لهم نصيبًا في تحقيقها.
لقد أثبتت التجربة أن الإعلام لا يقتصر دوره على نقل الأخبار، بل يمكن أن يكون أداة لتعبئة المجتمع حول هدف إنساني، وأن الإعلان حين يوظف لخدمة قضية عامة يستطيع أن يفتح أبوابًا جديدة للتبرع والمشاركة.
الرقم الذي أصبح اسمًا.. كيف وُلدت حكاية 57357؟
في إطار تنظيم عملية جمع التبرعات، فُتح أول حساب مصرفي للمشروع تحت رقم 57357 في بنك مصر والبنك الأهلي المصري، مع إتاحة الحسابات في جميع الفروع لتسهيل مساهمة المواطنين.
وكان المطلوب أن يكون التبرع سهلًا ومتاحًا، وأن يستطيع أي شخص المشاركة في المشروع من دون تعقيدات، حتى تتسع قاعدة المساهمين، ويصبح دعم المستشفى جزءًا من المشاركة المجتمعية اليومية.
وفي تلك المرحلة، اقترح طارق نور أن يكون رقم الحساب نفسه هو اسم المستشفى، ليصبح الرقم 57357 عنوانًا للمشروع، ثم يتحول مع مرور الوقت إلى علامة يعرفها المصريون ويربطونها بعلاج الأطفال المصابين بالسرطان.
لم يكن الرقم مجرد وسيلة مصرفية لجمع الأموال، بل أصبح رمزًا لفكرة أوسع، هي أن المستشفى ملك للمجتمع الذي أسهم في بنائه، وأن كل تبرع شارك في تأسيسه يحمل جزءًا من حلم إنقاذ الأطفال.
ومع تكرار ظهور الرقم في الحملات الإعلامية والإعلانات ووسائل جمع التبرعات، ترسخ في الذاكرة العامة، وأصبح اسمًا لمؤسسة صحية قامت على مساهمات المواطنين، وعلى قناعة بأن العمل الجماعي يستطيع أن يحقق ما قد يبدو مستحيلًا في البداية.
تصميم يحمل المستقبل.. مستشفى يجمع بين الطب والإنسانية
لم يكن الاهتمام بالمستشفى مقتصرًا على جمع الأموال وبناء الجدران، بل امتد إلى تصميم المنشأة نفسها، بحيث تعكس رؤيتها الطبية والإنسانية، وتوفر بيئة مناسبة للأطفال الذين يواجهون رحلة علاج طويلة وشاقة.
ووضع المهندس جوناثان بيل تصميمًا خارجيًا يستهدف تقديم رؤية مستقبلية لمستشفى يمثل حقبة جديدة في مجال الرعاية الصحية، مع مراعاة التراث الثقافي المصري، حتى يجمع المبنى بين الحداثة والهوية المحلية.
وروعي في التصميم سهولة استخدام الخدمات والأنشطة العلاجية، بما يساعد على تنظيم حركة المرضى والعاملين، ويجعل الوصول إلى الأقسام والخدمات أكثر كفاءة، كما جاء التصميم الدائري ليسهل متابعة العمل ومراقبته.
أما التصميم الداخلي، فاعتمد على استخدام ألوان مختارة بعناية، والاستفادة من انتشار الضوء في أرجاء المبنى، بما يساهم في ترشيد استهلاك الكهرباء، ويجعل البيئة الداخلية أكثر جاذبية للأطفال.
ولأن الطفل المريض لا يحتاج إلى الدواء وحده، بل يحتاج أيضًا إلى مساحة تمنحه الشعور بالأمان وتخفف عنه أعباء الانتظار والعلاج، روعي توفير مناطق للعب في جميع أدوار المستشفى، لتكون جزءًا من البيئة العلاجية، وليس مجرد إضافة شكلية.
لقد عكس التصميم فهمًا مختلفًا لطبيعة مرض سرطان الأطفال، فالمستشفى الذي يستقبل طفلًا قد يقضي فيه فترات طويلة يجب أن يراعي احتياجاته النفسية والاجتماعية إلى جانب احتياجاته الطبية، وأن يوفر له بيئة تساعده على مواصلة الحياة والتعلم واللعب قدر الإمكان.
مؤسسة مستقلة عام 2004.. من البناء إلى ضمان الاستمرار
في عام 2004، أُعلن إنشاء مؤسسة مستشفى سرطان الأطفال 57357 باعتبارها كيانًا قانونيًا مستقلًا، لتتولى المرحلة التالية من المشروع، بدءًا من تشغيل المستشفى، وتستمر في إدارته وفق رؤية شاملة تستهدف توفير الاستدامة في التمويل.
وكان إنشاء المؤسسة خطوة ضرورية للانتقال من مرحلة التأسيس والبناء إلى مرحلة التشغيل، إذ إن المستشفى المتخصص لا يحتاج إلى تمويل إنشاء المبنى وتجهيزه فقط، بل يحتاج كذلك إلى موارد مستمرة لتغطية تكاليف العلاج والأدوية والأجهزة والصيانة والكوادر البشرية والخدمات المساندة.
ومن هنا أصبحت الاستدامة المالية جزءًا أساسيًا من فلسفة المشروع، لأن استمرار تقديم العلاج المجاني للأطفال يتطلب إدارة طويلة المدى للموارد، وتنويع مصادر الدعم، والمحافظة على ثقة المتبرعين، والتأكد من أن التبرعات تتحول إلى خدمات حقيقية يستفيد منها المرضى.
وبذلك لم يكن تأسيس المؤسسة نهاية الحلم، بل بداية مرحلة أكثر تعقيدًا، تتطلب إدارة منشأة طبية متكاملة، وضمان قدرتها على تقديم الخدمات بالجودة المطلوبة، مع الحفاظ على رسالتها الأساسية المتمثلة في إتاحة العلاج دون تمييز.
إبراهيم حجازي وحسين كامل بهاء الدين.. جنيه واحد من كل طالب يصنع فارقًا
كانت أعمال الإنشاء والتجهيز تحتاج إلى مبالغ ضخمة، وكان القائمون على المشروع يعولون على مساندة الشعب المصري بكل فئاته، لذلك جاءت الأفكار التي تستهدف توسيع قاعدة التبرعات لتصبح عنصرًا رئيسيًا في مسيرة المستشفى.
وفي هذه المرحلة، تقدم الكاتب الصحفي إبراهيم حجازي، أحد أبطال أكتوبر، بمبادرة تقوم على جمع جنيه واحد من كل طالب في المدارس، ليشارك الطلاب في إنشاء المستشفى، ويسهموا في تحقيق حلم علاج الأطفال المصابين بالسرطان.
وكانت الفكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل معنى عميقًا، إذ لم يكن الهدف جمع الأموال وحدها، وإنما غرس الإحساس بالانتماء لدى الطلاب، وتعريفهم بأنهم قادرون على المشاركة في المشروعات الوطنية والإنسانية، حتى لو كانت مساهمتهم محدودة.
وعندما عُرضت المبادرة على الدكتور حسين كامل بهاء الدين، وزير التعليم الأسبق ورئيس الجمعية المصرية لطب الأطفال، تحمس لها، ورأى أنها يمكن أن تزرع مشاعر الانتماء والمسؤولية لدى الطلاب، وسمح بجمع الجنيهات من طلاب المدارس.
وكانت النتيجة جمع 22 مليون جنيه في يوم واحد، في إنجاز كان له أثر كبير في دعم المشروع خلال بداياته، وأثبت أن التبرعات الصغيرة حين تتجمع على نطاق واسع يمكن أن تتحول إلى قوة مالية مؤثرة.
ولم تكن قيمة المبادرة في المبلغ الذي جُمع فقط، بل في الرسالة التي حملتها إلى جيل كامل من الطلاب، وهي أن العمل الخيري لا يقتصر على الأثرياء، وأن لكل فرد دورًا يمكن أن يؤديه، مهما كان عمره أو حجم مساهمته.
وهكذا أصبح طلاب المدارس جزءًا من قصة المستشفى، ليس بوصفهم متبرعين فحسب، وإنما باعتبارهم شركاء في مشروع وطني يهدف إلى إنقاذ الأطفال، ويجسد معنى أن المجتمع يستطيع أن يتكاتف من أجل أفراده الأكثر احتياجًا.
أحمد.. الطفل الذي تحول من بطل إعلان إلى شاهد على نجاح الحلم
واصل طارق نور دعمه للمشروع من خلال إعلان مؤثر تناول قصة طفل مريض يدعى أحمد، وكان يبلغ من العمر ثماني سنوات وقت تصوير الإعلان، ليصبح وجهًا إنسانيًا قريبًا من الجمهور، يجسد معاناة الأطفال الذين يواجهون السرطان، ويمنح المتبرعين صورة واضحة عن الغاية من مساهماتهم.
لم يكن أحمد مجرد طفل يظهر في إعلان، بل أصبح رمزًا لقصة يمكن أن تتكرر مع آلاف الأطفال، ولحلم يتطلع إلى أن يحصل كل مريض على العلاج والفرصة التي يستحقها.
وبحسب الرواية الواردة عن المشروع، فقد شُفي أحمد، وأصبح شابًا يبلغ من العمر 30 عامًا، وتزوج وأنجب، وهي نهاية تمنح الحكاية بعدًا إنسانيًا بالغ التأثير، لأنها تنقل الطفل من صورة المرض والخوف إلى صورة الإنسان الذي استطاع مواصلة حياته وتكوين أسرته.
وتكشف هذه القصة أهمية أن يرى الناس نتائج التبرعات في حياة حقيقية، وأن يدركوا أن الأموال التي تُجمع للمستشفى ليست أرقامًا في حساب مصرفي، بل يمكن أن تكون جزءًا من رحلة علاج تمنح طفلًا فرصة للعيش والنمو وبناء مستقبله.
لقد ساعد الإعلان على ربط قضية المستشفى بوجه إنساني محدد، فبدلًا من الحديث المجرد عن مرض السرطان أو تكاليف العلاج، أصبح الجمهور أمام طفل له اسم وقصة وعائلة ومستقبل، وهو ما جعل الرسالة أكثر قربًا وتأثيرًا.
الفنانون وأغنية «إيدي في إيدك».. حين غنّى الفن من أجل الحياة
لم يقتصر الدعم على رجال الأعمال والأطباء والإعلاميين والطلاب، بل امتد إلى الفنانين الذين شاركوا في حملات التوعية وجمع التبرعات، وكان من أبرز مظاهر هذا الدعم أغنية «إيدي في إيدك»، التي صممها طارق نور لتكون جزءًا من حملة المستشفى.
وشارك في الأغنية عدد من الفنانين، من بينهم حكيم، وأنوشكا، ومنى عبد الغني، وهشام نور، ونيفين، لتتحول الأغنية إلى وسيلة فنية تدعو إلى التعاون والتكاتف من أجل الأطفال المرضى.
وكانت الأغنية بمثابة فاتحة خير لحملات التبرعات، إذ أسهمت في توصيل رسالة المشروع إلى جمهور أوسع، وجعلت المشاركة في إنشائه قضية يتفاعل معها الناس من خلال الفن والموسيقى والإعلام.
وقدمت التجربة مثالًا على قدرة الفن على خدمة القضايا الإنسانية، عندما يتجاوز حدود الترفيه إلى المشاركة في عمل مجتمعي، ويصبح صوت الفنان وسيلة لدعم الأطفال الذين يحتاجون إلى العلاج والأمل.
الجيش والشرطة والأزهر والكنيسة والمصريون بالخارج.. مشروع جمع أطياف المجتمع
لم يكن مستشفى 57357 مشروعًا لفئة واحدة، ولم تقم حكايته على مساهمة مجموعة محدودة من المتبرعين، بل شاركت في دعمه فئات عديدة من المجتمع المصري، في صورة عكست اتساع التأييد الشعبي للمبادرة.
وكان للقوات المسلحة المصرية ورجال الشرطة دور في التبرعات والمساندة المستمرة، كما شارك الأزهر الشريف والكنيسة المصرية في جهود الدعم، بما عكس التقاء مؤسسات وطنية ودينية حول هدف إنساني مشترك.
وشملت المساهمات أيضًا تبرعات منتخب مصر لكرة القدم في الفترة التي كان يقوده فيها الكابتن حسن شحاتة، في صورة من صور مشاركة الرياضيين في المشروع، إلى جانب دعم المصريين المقيمين في الخارج الذين قدموا مساهماتهم ومساندتهم لإنشاء المستشفى.
وكانت أهمية هذه المشاركة أنها أظهرت أن قضية علاج الأطفال من السرطان تتجاوز الانتماءات الاجتماعية والمهنية والدينية، وأن الطفل المريض يمكن أن يكون نقطة التقاء بين الجميع، مهما اختلفت مواقعهم أو قدراتهم أو ظروفهم.
فمن الطالب الذي تبرع بجنيه، إلى رجل الأعمال الذي قدم ملايين الجنيهات، ومن الفنان الذي شارك في أغنية أو إعلان، إلى المؤسسة التي قدمت الدعم، تشكلت شبكة واسعة من المساندة جعلت المشروع تعبيرًا عن إرادة جماعية.
وهكذا تحول المستشفى إلى قصة شعبية بقدر ما هو مؤسسة طبية، لأن آلافًا وملايين من المصريين رأوا فيه فرصة للمشاركة في إنقاذ الأطفال، وأصبحوا جزءًا من الرحلة التي نقلت الفكرة من الأوراق والتصميمات إلى مبنى يستقبل المرضى.
7 يوليو 2007.. اليوم الذي استقبل فيه المستشفى أول طفل
جاء الموعد المنتظر في السابع من يوليو عام 2007، حين استقبل مستشفى سرطان الأطفال مصر 57357 أول طفل مريض، وهو الطفل شريف مبارك، لتبدأ مرحلة التشغيل الفعلي، وينتقل المشروع من سنوات التخطيط والبناء وجمع التبرعات إلى التعامل المباشر مع الأطفال الذين أنشئ المستشفى من أجلهم.
وكان المستشفى يضم عند افتتاحه 185 سريرًا، في خطوة مثلت بداية تقديم خدمات علاجية متخصصة على نطاق أوسع، ضمن مؤسسة قامت على التبرعات، واستهدفت توفير الرعاية الصحية والنفسية للأطفال المصابين بالسرطان مجانًا وبالعدالة نفسها للجميع.
ومنذ اليوم الأول، كان الالتزام بتقديم الرعاية عالية الجودة جزءًا أساسيًا من رسالة المستشفى، مع الاستعانة بنخبة من الكفاءات العاملة في مجال سرطان الأطفال، والعمل على توفير بيئة تراعي احتياجات المريض الجسدية والنفسية، وتمنح أسرته الدعم الذي تحتاج إليه خلال رحلة العلاج.
لم يكن استقبال أول طفل مجرد حدث افتتاحي، بل كان اللحظة التي اكتسب فيها الحلم معناه العملي، فكل ما سبقها من جهود ومبادرات وتبرعات وتصميمات كان يستهدف الوصول إلى هذه اللحظة، حين يجد طفل مصاب بالسرطان مكانًا متخصصًا يستطيع أن يتلقى فيه العلاج دون أن تتحول تكاليف الرعاية إلى عبء يستحيل على أسرته تحمله.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت مسؤولية المستشفى أكبر من مجرد تشغيل الأقسام الطبية، إذ بات عليه أن يطور خدماته بصورة مستمرة، ويحافظ على جودة الرعاية، ويوفر أحدث الإمكانات التشخيصية والعلاجية، ويضمن أن تظل رسالته الإنسانية حاضرة في كل قرار يتعلق بالمرضى.
مستشفى مستوحى من سانت جود.. وطموح للوصول إلى مستويات الرعاية العالمية
استلهم مستشفى سرطان الأطفال مصر 57357 تجربته من نموذج مستشفى سانت جود للأبحاث في مدينة ممفيس بولاية تينيسي الأمريكية، وهو نموذج يجمع بين الرعاية الطبية المتخصصة والبحث العلمي، ويعكس أهمية توظيف المعرفة والتكنولوجيا في تحسين فرص علاج الأطفال المصابين بالسرطان.
وتأسس مستشفى 57357 عام 2007، برسالة تقوم على تقديم رعاية شاملة ومتميزة تتمحور حول الأسرة، وإتاحة فرصة للعلاج والشفاء للأطفال المصابين بالسرطان الذين يلجؤون إلى خدماته، مجانًا ومن دون تمييز.
ويُعرف المستشفى بأنه من أكبر مستشفيات سرطان الأطفال في العالم من حيث السعة الاستيعابية، إذ تبلغ سعته المعلنة 300 سرير، فيما تشير بيانات قوة العمل الواردة عن المستشفى إلى وجود 298 سريرًا للقسم الداخلي، وهو ما يعكس حجم المنشأة وقدرتها على استقبال أعداد كبيرة من المرضى.
ولا تقوم فلسفة المستشفى على توفير الأسرة وحدها، وإنما على تقديم خدمات متكاملة تبدأ بالتشخيص الدقيق، وتمر بالعلاج الكيميائي والإشعاعي والجراحة وزراعة نخاع العظم، وتمتد إلى العيادات متعددة التخصصات، والتأهيل البدني، والرعاية النفسية والاجتماعية، والرعاية التلطيفية، ومتابعة الناجين من السرطان، والتعليم داخل المستشفى.
ويعني هذا النهج أن رحلة الطفل لا تنتهي عند تلقي جرعة علاج أو إجراء جراحة، بل تشمل مختلف الجوانب التي تؤثر في حياته، بدءًا من صحته الجسدية، مرورًا بحالته النفسية وعلاقته بأسرته، وصولًا إلى تعليمه وقدرته على استعادة حياته بعد العلاج.
من العلاج إلى البحث العلمي.. قاعدة بيانات صنعت تحولًا رقميًا
منذ إنشاء المستشفى، أدرك المسؤولون والإدارة العليا أن البحث العلمي في المجالات الطبية وغير الطبية المرتبطة بعمليات المؤسسة يمثل شرطًا أساسيًا لتحقيق التقدم، وتطوير أساليب العلاج، وبناء مستقبل أفضل للأطفال المصابين بالسرطان.
فالمؤسسة التي تستقبل أعدادًا كبيرة من المرضى وتقدم خدمات متعددة تحتاج إلى معلومات دقيقة تساعدها على فهم احتياجات الأطفال، وتقييم نتائج العلاج، وتحسين الإجراءات الطبية والإدارية، وتحديد المجالات التي تستحق مزيدًا من البحث والتطوير.
ولهذا السبب، اعتمد المستشفى نظام المعلومات الصحية المتقدم من شركة سيرنر (Cerner)، وهو ما ساهم في التحول الرقمي الكامل لعملياته، وإنشاء قاعدة بيانات قوية، وتحويل المستشفى إلى مؤسسة خالية من الأوراق.
وقد أتاح هذا التحول إمكانية تنظيم المعلومات الصحية والإدارية بصورة أكثر كفاءة، ودعم الوصول إلى البيانات اللازمة لاتخاذ القرارات، وتوفير بيئة تساعد على تطوير الأداء ومتابعة النتائج، بدلًا من الاعتماد على الإجراءات الورقية التقليدية.
ولم يكن التحول الرقمي مجرد تحديث تقني، بل جاء في إطار رؤية ترى أن جودة الرعاية الصحية ترتبط بقدرة المؤسسة على جمع المعلومات وتحليلها واستخدامها في تحسين الخدمات، وأن التطور الطبي يحتاج إلى بنية معلوماتية تساعد على التعلم المستمر وتقييم النتائج.
كما يعكس الاهتمام بالبحث العلمي إدراكًا بأن علاج سرطان الأطفال لا يتوقف عند تطبيق البروتوكولات القائمة، وإنما يحتاج إلى متابعة مستمرة للنتائج، والاستفادة من الخبرات المتراكمة، والعمل على تحسين أساليب التشخيص والعلاج والإدارة.
2559 موظفًا.. قوة بشرية تحمل رسالة المستشفى
وراء المبنى والأجهزة والأنظمة الرقمية تقف قوة بشرية كبيرة، تتولى إدارة المستشفى وتشغيل أقسامه وتقديم الرعاية للمرضى، وتبلغ قوة العمل الواردة في البيانات المقدمة عن المستشفى 2559 موظفًا.
وتضم هذه القوة 423 طبيبًا يعملون بدوام كامل أو جزئي، و649 ممرضًا وممرضة، و250 صيدليًا يعملون في وظائف ونشاطات مختلفة، إلى جانب 80 باحثًا، و774 موظفًا في القطاع الإداري.
وتتوزع فئة الباحثين الثمانين، وفق البيانات الواردة، بين 27 باحثًا يعملون في تحرير البيانات والمعلومات ومراجعة جودة العمل، و53 باحثًا في مجال البحوث الأساسية بالمعامل.
وتكشف هذه الأرقام عن اتساع نطاق العمل داخل المستشفى، إذ لا تقتصر خدماته على الأطباء والممرضين الذين يتعاملون مباشرة مع المرضى، بل تعتمد كذلك على الصيادلة والباحثين والإداريين والعاملين في مجالات الدعم المختلفة.
فكل جرعة علاج تحتاج إلى مراجعة دقيقة، وكل فحص يتطلب إجراءات تضمن سلامة النتائج، وكل طفل يحتاج إلى متابعة متكاملة لا يمكن توفيرها من خلال تخصص واحد، وإنما تتطلب تعاون فرق متعددة تعمل وفق منظومة مشتركة.
وتتجسد أهمية هذه القوة البشرية في كونها العنصر الذي يحول الإمكانات المتاحة إلى خدمات فعلية، ويضمن أن تبقى رسالة المستشفى حاضرة في تفاصيل العمل اليومي، من استقبال المريض وحتى متابعة مراحل علاجه.
الصيدلة الإكلينيكية.. حين أصبح الدواء جزءًا من منظومة علمية متكاملة
تمثل الصيدلة الإكلينيكية أحد المكونات المهمة في منظومة الرعاية داخل مستشفى 57357، إذ لا يقتصر دورها على صرف الأدوية، بل يمتد إلى خدمات متعددة تستهدف الاستخدام الآمن والفعال للعلاج، ومتابعة احتياجات المرضى، ودعم الفرق الطبية.
وتشمل الخدمات المقدمة في هذا المجال خدمات العيادات الخارجية، وتركيب الأدوية وتجهيزها، وإعطاء الأدوية عن طريق الوريد، وإدارة الألم، وتوفير المعلومات الدوائية، والدعم الغذائي، وتعليم المرضى وأسرهم، والرعاية التلطيفية.
وتكتسب هذه الخدمات أهمية خاصة في علاج سرطان الأطفال، لأن البروتوكولات العلاجية قد تتطلب أدوية دقيقة الجرعات، ومتابعة مستمرة للتفاعلات الدوائية والآثار الجانبية، وتنسيقًا وثيقًا بين الصيادلة والأطباء والتمريض.
كما أن تثقيف الأسرة بشأن الأدوية وطريقة استخدامها والآثار التي تستدعي الانتباه يساعد على تحسين الالتزام بالخطة العلاجية، ويمنح أولياء الأمور دورًا أكثر فاعلية في رعاية أطفالهم.
وتعكس الصيدلة الإكلينيكية فلسفة أوسع داخل المستشفى، تقوم على أن العلاج الفعال لا يعتمد على توفر الدواء وحده، وإنما على ضمان استخدامه بالطريقة الصحيحة، وبالجرعة المناسبة، وفي التوقيت الملائم، مع متابعة تأثيره في حالة الطفل.
الجراحة والأجهزة المتقدمة.. إمكانات لتشخيص الأورام وعلاجها بدقة
يضم المستشفى قسمًا للجراحة الشاملة يقدم خدمات تشمل جراحات الأورام المعقدة، ومنها الأورام العصبية، والجراحات الكبرى، وجراحات العيون، باستخدام تجهيزات متقدمة تساعد الفرق الطبية على إجراء التدخلات المطلوبة.
ومن بين هذه التجهيزات المجهر الجراحي Leica OH5، إلى جانب أحدث أجيال أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي أثناء إجراء الجراحة، بما يدعم قدرة الفرق الطبية على الحصول على معلومات تصويرية تساعدها خلال التدخلات الجراحية.
كما يضم المستشفى وحدة السايبر نايف، وهي من التقنيات المتقدمة المستخدمة في علاج الأورام، وتوفر خيارات علاجية لبعض الحالات وفق طبيعة الورم وتقييم الفريق الطبي.
ويستوعب قسم العيادات الخارجية، بحسب البيانات الواردة، نحو 400 مريض يوميًا، إلى جانب عيادات متعددة التخصصات تشمل عيادات الألم والقلب والأسنان والعيون، بما يساعد على التعامل مع الاحتياجات الصحية المتنوعة للأطفال خلال رحلة العلاج.
وتكمن أهمية هذه التخصصات في أن الطفل المصاب بالسرطان قد يحتاج إلى أكثر من خدمة طبية في الوقت نفسه، سواء بسبب طبيعة المرض أو تأثيرات العلاج أو وجود مشكلات صحية أخرى تتطلب المتابعة، ولذلك فإن جمع الخدمات المتعددة داخل منظومة واحدة يساعد على تنسيق الرعاية بصورة أفضل.
التشخيص الدقيق.. من الأشعة إلى المعامل والاختبارات الجينية
تعتمد رحلة علاج سرطان الأطفال على التشخيص الدقيق، لأن تحديد طبيعة الورم وامتداده وخصائصه يساعد الأطباء على اختيار الخطة العلاجية المناسبة ومتابعة الاستجابة للعلاج.
ولهذا يضم المستشفى خدمات متقدمة للدعم التشخيصي والمعملي، تشمل أجهزة التصوير المقطعي بالكمبيوتر (CT)، والتصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)، والتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني المدمج بالتصوير المقطعي (PET/CT)، إلى جانب خدمات الطب النووي والتحاليل الوراثية الخلوية وفحوص الفيروسات، ومستودع الدم، وتجميع الخلايا الجذعية وتخزينها.
ويضم قسم الأشعة جهازين من أجهزة التصوير المقطعي بالكمبيوتر، جرى تصميمهما لتقليل جرعة التعرض للإشعاع قدر الإمكان، مع الحفاظ على وضوح الصور، وتقليل الوقت اللازم لتقديم الخدمة.
كما يضم القسم جهازين من أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي، بما يدعم إجراء فحوص أكثر شمولًا ويساعد على الوصول إلى تشخيص أدق وفق احتياجات الحالة.
وتسمح معدات الموجات فوق الصوتية بالمستشفى بدمج نتائج الفحوص ومقارنتها بنتائج التصوير المقطعي والرنين المغناطيسي، للوصول إلى صورة تشخيصية أكثر اكتمالًا، بحسب طبيعة الحالة ومتطلبات التقييم الطبي.
ويعمل قسم الأشعة باستخدام أنظمة PACS، وهي أنظمة أرشفة الصور والاتصالات، التي تتيح تخزين صور الأشعة وإتاحتها بطرق متعددة، بما يساعد على تسهيل الوصول إليها ومراجعتها من جانب الفرق الطبية.
وفي مجال المعامل، يتميز معمل الباثولوجي بأنه مميكن بالكامل، ويُشار إليه باعتباره الأول من نوعه في مصر، وهو ما يعكس أهمية توظيف التكنولوجيا في تنظيم العمل المعملي ودعم دقة الإجراءات وسرعة تداول النتائج.
وتتكامل هذه الإمكانات مع خدمات التحاليل الجينية والوراثية الخلوية وفحوص الفيروسات، بما يوفر للأطباء مجموعة من المعلومات التي تساعدهم على فهم طبيعة المرض وتحديد خيارات التعامل معه.
العلاج الإشعاعي وبنك الدم.. تقنيات متقدمة لضمان استمرارية الرعاية
يضم المستشفى أجهزة متقدمة للعلاج الإشعاعي، من بينها أجهزة المعجل الخطي Elekta Versa HD، التي تستخدم تقنيات عالية الدقة، ومنها تقنية العلاج بالقوس المعدل حجميًا (VMAT)، لتوجيه الجرعات الإشعاعية وفق خطة علاجية يحددها الفريق المختص.
وتساعد هذه التقنيات، عند ملاءمتها للحالة، على توجيه العلاج بدقة، مع مراعاة الأنسجة والأعضاء المحيطة بالمنطقة المستهدفة، وفق التخطيط الطبي لكل طفل.
ويضم المستشفى كذلك بنكًا وعيادة للتبرع بالدم مجهزين بأجهزة لفصل مكونات الدم، بما يساعد على توفير احتياجات المرضى من المكونات المطلوبة، ودعم سلامة عمليات نقل الدم واستمرارية الإمدادات.
وتكتسب خدمات الدم أهمية كبيرة في علاج بعض حالات سرطان الأطفال، إذ قد يحتاج المرضى إلى نقل مكونات الدم خلال مراحل مختلفة من العلاج، ولذلك فإن وجود منظومة متخصصة للتبرع والفصل والتخزين والتوزيع يمثل جزءًا أساسيًا من قدرة المستشفى على تقديم الرعاية.
ولا تعمل هذه الإمكانات بصورة منفصلة، بل تندمج مع خدمات التشخيص والعلاج والصيدلة والتمريض، لتشكل منظومة تتطلب تنسيقًا مستمرًا بين الأقسام، حتى يحصل الطفل على الخدمة التي يحتاج إليها في الوقت المناسب.
الرعاية النفسية والاجتماعية والتعليم.. لأن الطفل ليس مجرد مريض
من أبرز ملامح تجربة مستشفى 57357 اهتمامه بالجوانب النفسية والاجتماعية والتعليمية، إلى جانب العلاج الطبي، فقد أنشأ المستشفى أول قسم متخصص في علم النفس والخدمة الاجتماعية والطب النفسي في مصر لمرضى سرطان الأطفال، وفق البيانات الواردة عن المؤسسة.
ويعكس هذا الاهتمام إدراكًا بأن الإصابة بالسرطان لا تؤثر في جسد الطفل وحده، بل تمتد آثارها إلى مشاعره وعلاقته بأسرته وأصدقائه، وإلى إحساسه بالأمان وقدرته على التكيف مع الفحوص والإقامة بالمستشفى وتكرار جلسات العلاج.
وتساعد خدمات الدعم النفسي والاجتماعي على التعامل مع الضغوط التي تواجه الطفل وأسرته، وتقديم المساندة التي يحتاجان إليها خلال مراحل العلاج، مع مراعاة الاختلافات بين الأطفال في العمر والاحتياجات وطريقة الاستجابة للمرض.
كما أطلق المستشفى أول برنامج تعليمي لمواصلة الدراسة للأطفال المرضى داخل المستشفى، في محاولة لتقليل أثر العلاج على مستقبلهم الدراسي، وإتاحة فرصة لاستمرار التعلم خلال فترات الإقامة وتلقي الرعاية.
فالتعليم بالنسبة إلى الطفل ليس تفصيلًا يمكن الاستغناء عنه بسهولة، بل جزء من حياته الطبيعية وإحساسه بالاستقرار، ولذلك فإن توفير فرص الدراسة داخل المستشفى يساعد على إبقاء صلته بالتعلم قائمة، ويخفف من شعوره بأن المرض أوقف حياته بالكامل.
وتكمل مناطق اللعب المنتشرة في أقسام المستشفى هذه الرؤية، إذ توفر للأطفال مساحات تساعدهم على قضاء وقت الانتظار بصورة أفضل، وتمنحهم فرصًا للعب والتفاعل بعيدًا عن أجواء الفحوص والإجراءات العلاجية.
وقد روعي في تصميم المستشفى أن تكون مناطق اللعب موزعة في مختلف الأدوار، لأن الطفل يحتاج إلى بيئة تراعي عمره واحتياجاته، وتمنحه مساحة للحركة والتفاعل قدر الإمكان، مع الالتزام بالضوابط الطبية اللازمة.
مكافحة العدوى.. حماية الأطفال الأكثر احتياجًا إلى الأمان
يحتاج مرضى سرطان الأطفال إلى عناية خاصة فيما يتعلق بالوقاية من العدوى، لأن بعض العلاجات قد تؤثر في قدرة الجسم على مقاومة الأمراض، ما يجعل تطبيق إجراءات مكافحة العدوى جزءًا أساسيًا من منظومة الرعاية.
ولهذا صُمم المستشفى بما يلبي متطلبات صارمة للتحكم والسيطرة على العدوى، مع مراعاة احتياجات الأطفال منقوصي المناعة، وتوفير بيئة تساعد على تقليل المخاطر المرتبطة بالإقامة داخل المنشآت الصحية.
وتتطلب هذه المهمة تعاونًا بين الفرق الطبية والتمريضية والصيدلانية والإدارية، والالتزام بالإجراءات المهنية في التعامل مع المرضى والأدوية والأدوات والمرافق، لأن سلامة الطفل لا تتحقق بجهاز طبي متقدم وحده، وإنما بمنظومة متكاملة من الممارسات اليومية.
ويعكس الاهتمام بمكافحة العدوى أحد أهم أوجه التطور في مفهوم المستشفى المتخصص، إذ تصبح البيئة العلاجية نفسها جزءًا من خطة الرعاية، وتتحول الإجراءات الوقائية إلى عنصر أساسي في حماية المرضى ودعم قدرتهم على استكمال العلاج.
من نسبة بقاء أقل من 40% إلى معدل شفاء إجمالي بلغ 71.21% في 2025
لم يكن الهدف من إنشاء مستشفى 57357 مجرد توفير مبنى كبير أو أجهزة متطورة، بل كان يستهدف أيضًا تحسين نتائج علاج سرطان الأطفال في مصر، والعمل على رفع فرص البقاء على قيد الحياة، من معدلات كانت تقل عن 40% إلى مستويات تقارب المعدلات الغربية التي تتراوح بين 80% و85%، وفق الأهداف التي وضعها المشروع.
وكان هذا الطموح يتطلب تغييرًا شاملًا في منظومة الرعاية، يشمل التشخيص المبكر، وتوفير العلاج المناسب، وتطوير الكوادر الطبية، وتحسين الإدارة، والاستثمار في البحث العلمي، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي، ومتابعة النتائج بصورة مستمرة.
وبعد 18 عامًا من التشغيل، سجل المستشفى معدل شفاء إجماليًا بلغ 71.21% في عام 2025، وفق البيانات الواردة عنه، وهو رقم يعكس حصيلة مسار طويل من العمل والتطوير، مع ضرورة النظر إليه في سياق تعريف المؤشر المستخدم، وأنواع الحالات التي يشملها، والفترة الزمنية التي جرى احتساب النتائج خلالها.
ولا تعني هذه النسبة أن التحدي انتهى، أو أن جميع الأطفال يحققون النتيجة نفسها، لكنها تقدم مؤشرًا على ما يمكن أن يحققه الاستثمار المستمر في الرعاية المتخصصة، والتشخيص، والعلاج، والبحث العلمي، وتكامل الخدمات.
وتظل مهمة تحسين فرص الشفاء مستمرة، لأن علاج السرطان يتطور باستمرار، ولأن كل طفل يحتاج إلى تقييم وخطة علاجية تناسب حالته، ولأن النتائج الأفضل تتطلب متابعة دقيقة وتحديثًا دائمًا للمعرفة والممارسات الطبية.
300 سرير ورسالة واحدة.. أن يكون العلاج حقًا لكل طفل
تبلغ السعة الاستيعابية المعلنة لمستشفى سرطان الأطفال مصر 57357 نحو 300 سرير، بينما تشير البيانات المقدمة إلى وجود 298 سريرًا للقسم الداخلي، وهو ما يضعه ضمن أكبر المؤسسات المتخصصة في علاج أورام الأطفال من حيث السعة.
لكن حجم المستشفى لا يُقاس بعدد الأسرة وحده، وإنما بقدرته على جمع التخصصات والخدمات المختلفة في منظومة واحدة، تضم العلاج الكيميائي والإشعاعي والجراحة وزراعة نخاع العظم والعيادات المتخصصة والصيدلة الإكلينيكية والتشخيص المعملي والتصوير الطبي، إلى جانب الرعاية النفسية والاجتماعية والتأهيل والتعليم.
ويضم المستشفى كذلك خدمات العيادات متعددة التخصصات، بما فيها عيادات الألم والقلب والأسنان والعيون، ويقدم خدمات علاجية ومساندة تستهدف تلبية احتياجات الطفل خلال مراحل المرض، مع إتاحة الرعاية مجانًا ودون تمييز.
وتقوم هذه الرسالة على مبدأ إنساني واضح، هو أن فرص العلاج لا ينبغي أن ترتبط بقدرة الأسرة المالية، وأن الطفل المصاب بالسرطان يستحق أن يحصل على الرعاية المناسبة بصرف النظر عن ظروفه الاجتماعية.
ومن أجل الحفاظ على هذه الرسالة، تظل استدامة التمويل والتطوير الطبي والإداري والبحث العلمي من التحديات الأساسية التي تواجه المؤسسة، لأن تقديم العلاج المجاني على نطاق واسع يتطلب موارد مستمرة، وإدارة رشيدة، وثقة متجددة بين المستشفى والمتبرعين والمجتمع.
من جمعية صغيرة إلى مؤسسة رائدة.. الحلم الذي لا يزال مستمرًا
بدأت حكاية مستشفى 57357 بمبادرة لتخفيف الأعباء عن المعهد القومي للأورام، ثم تطورت إلى مشروعات لتحسين الخدمات، وبعدها إلى فكرة إنشاء مستشفى مستقل، لتدخل مرحلة جمع التبرعات والتخطيط العلمي وتخصيص الأرض، ثم البناء والتجهيز، وصولًا إلى استقبال أول طفل في يوليو 2007.
وعلى امتداد هذه الرحلة، لم يكن هناك طرف واحد يمكنه الادعاء بأنه صنع المستشفى بمفرده، فقد تضافرت جهود الأطباء ورجال الأعمال وسيدات العمل الخيري والإعلاميين والفنانين والطلاب ومؤسسات الدولة والمجتمع المدني والمصريين في الخارج، لتتحول المبادرة إلى مؤسسة صحية تقدم خدمات متخصصة للأطفال المصابين بالسرطان.
ومنذ انطلاق المشروع، ارتبطت رؤيته بتقديم أفضل رعاية شاملة عالية الجودة، وتوفير فرصة للعلاج والشفاء، وتطوير الخدمات التشخيصية والعلاجية، والاستثمار في البحث العلمي، واستخدام التكنولوجيا في إدارة المعلومات، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي والتعليمي للمرضى.
ولهذا لم يعد المستشفى مجرد مرفق طبي، بل أصبح نموذجًا للعمل الجماعي، ومؤسسة تسعى إلى إحداث تغيير في منظومة رعاية سرطان الأطفال، من خلال الجمع بين العلاج المتقدم والإدارة الحديثة والتخطيط العلمي والتمويل القائم على التبرعات.
ومع استمرار التطور في الطب وتزايد الحاجة إلى الرعاية المتخصصة، يبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على جودة الخدمات، وتعزيز فرص الشفاء، وضمان استدامة الموارد، وتوسيع أثر البحث العلمي، حتى يظل كل طفل يصل إلى المستشفى أمام فرصة حقيقية للعلاج.
إن قصة 57357 هي في جوهرها قصة مجتمع قرر ألا يترك الأطفال وحدهم في مواجهة السرطان، فشارك الطالب بجنيه، وساهم رجل الأعمال بملايين الجنيهات، ووظف الطبيب علمه وخبرته، وسخّر الإعلامي قدرته على التأثير، وشارك الفنان بصوته، وساندت المؤسسات المشروع، حتى اجتمعت هذه الجهود في مكان واحد يحمل اسمًا أصبح معروفًا لدى ملايين المصريين.
ومن هنا، فإن القيمة الأعمق للمستشفى لا تكمن في المبنى أو الأجهزة أو عدد الأسرة فقط، بل في الفكرة التي قام عليها: أن الطفل يستحق فرصة للحياة، وأن العلاج يجب ألا يتوقف على قدرة أسرته على الدفع، وأن العمل الجماعي حين يستند إلى التخطيط العلمي والإدارة المسؤولة يستطيع أن يحول الحلم إلى واقع.
لم تكن رحلة 57357 حكاية مبنى فقط، بل حكاية فكرة قاومت العجز، وعطاء تجاوز أصحابه، وإيمان بأن الطفل المريض يستحق أكثر من مجرد محاولة للعلاج؛ يستحق فرصة حقيقية للحياة.
إنها رحلة بدأت من واقع مؤلم، لكنها لم تتوقف عند حدود الألم؛ بل حولت المعاناة إلى دافع للتغيير، والدموع إلى عمل، وبذرة الخير إلى حلم كبير حمل اسم مستشفى سرطان الأطفال 57357.
مستشفى 57357، مستشفى سرطان الأطفال مصر، تاريخ مستشفى 57357، قصة إنشاء مستشفى 57357، علاج سرطان الأطفال في مصر، جمعية أصدقاء المبادرة القومية ضد السرطان، الدكتور شريف أبو النجا، التبرعات لمستشفى 57357، افتتاح مستشفى 57357، مستشفى سرطان الأطفال 57357 2025، نسبة الشفاء من سرطان الأطفال، الصيدلة الإكلينيكية، البحث العلمي في علاج السرطان، الرعاية النفسية لمرضى السرطان، مستشفى 57357 والتبرعات، مستشفى سانت جود، علاج أورام الأطفال، مستشفى خيري لعلاج السرطان، الخدمات الطبية في مستشفى 57357، تاريخ علاج سرطان الأطفال في مصر.
مستشفى 57357، تاريخ مستشفى 57357، تأسيس مستشفى سرطان الأطفال 57357، الدكتور شريف أبوالنجا، الشيخ الشعراوي ومستشفى 57357، تاريخ علاج سرطان الأطفال في مصر، المعهد القومي للأورام، مستشفى سانت جود، حملة تبرعات 1995، الصيدلة الإكلينيكية في مصر، علاج سرطان العظام عند الأطفال، سمية أبوالعينين، علا غبور، طارق نور، العمل الخيري في مصر، نشأة مستشفى 57357.





