جولدا مئير طلبت عزل الشاذلي
هل طلبت إسرائيل عزل الفريق سعد الدين الشاذلي؟.. لغز تاريخي بين حسابات الحرب وشهادات ما بعد أكتوبر
تحقيق في الروايات المتداولة حول إبعاد رئيس أركان الجيش المصري، وما تكشفه المصادر المصرية والإسرائيلية والأمريكية عن حقيقة الدور الإسرائيلي
لم تنتهِ حرب أكتوبر 1973 بانتهاء المعارك، ولم تتوقف أسرارها عند حدود ما جرى على ضفتي قناة السويس. فخلف الانتصارات العسكرية والتحولات السياسية التي أعقبت الحرب، ظلت هناك أسئلة معلقة تتعلق بكواليس اتخاذ القرار داخل القيادة المصرية، وطبيعة الخلافات التي شهدتها إدارة العمليات العسكرية، ومدى تأثير الحسابات الإسرائيلية في المشهد السياسي والعسكري المصري.
ومن بين تلك الأسئلة التي لا تزال تثير اهتمام الباحثين والمهتمين بتاريخ الحرب: هل طلبت إسرائيل بالفعل من الرئيس أنور السادات عزل الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية خلال حرب أكتوبر؟
السؤال لا يتعلق بمجرد تغيير في المناصب العسكرية، وإنما يفتح الباب أمام البحث في طبيعة الصراع بين الرؤية العسكرية التي تبناها الشاذلي والقرارات السياسية والعسكرية التي اتخذتها القيادة المصرية خلال الحرب وبعدها، فضلًا عن محاولة فهم الكيفية التي نظرت بها إسرائيل إلى أحد أبرز القادة العسكريين المصريين الذين واجهوها في أكتوبر 1973.
لكن الإجابة عن هذا السؤال تستلزم الفصل بين ما تثبته الوثائق، وما ترويه الشهادات، وما تتداوله الروايات السياسية من دون أدلة حاسمة.
الشاذلي.. الرجل الذي ارتبط اسمه بخطة العبور
يحتل الفريق سعد الدين الشاذلي مكانة بارزة في التاريخ العسكري المصري الحديث، باعتباره رئيس أركان حرب القوات المسلحة خلال حرب أكتوبر 1973، وأحد أبرز القادة الذين ارتبطت أسماؤهم بالتخطيط لعبور قناة السويس واقتحام خط بارليف.
وقد ارتبط دوره العسكري برؤية تقوم على توظيف إمكانات القوات المصرية لتحقيق أهداف محددة، مع مراعاة حدود قدراتها التسليحية والجوية، وطبيعة الموقف العملياتي على الجبهة.
غير أن مسار الحرب شهد خلافات بشأن إدارة العمليات وتطوير الهجوم شرقًا، ثم التعامل مع الثغرة الإسرائيلية غرب القناة. وبرزت هذه الخلافات في رواية الشاذلي للأحداث، خصوصًا في ما يتعلق بالقرارات التي اتخذتها القيادة السياسية والعسكرية في مرحلة لاحقة من الحرب.
ومع انتقال الحرب إلى مرحلة وقف إطلاق النار والمفاوضات، لم تعد المسألة عسكرية بحتة، بل تداخلت فيها اعتبارات السياسة والتفاوض وإعادة ترتيب مراكز المسؤولية داخل الدولة المصرية.
ومن هنا، اكتسبت مسألة إبعاد الشاذلي أهمية تجاوزت حدود التغيير الإداري المعتاد، وأصبحت جزءًا من الجدل حول إدارة حرب أكتوبر وتقييم نتائجها.
هل كانت إسرائيل تريد إبعاد الشاذلي؟
لفهم حقيقة الادعاء، ينبغي التمييز بين سؤالين مختلفين: هل كان إبعاد الشاذلي يخدم بعض الحسابات الإسرائيلية؟ وهل تقدمت إسرائيل بالفعل بطلب إلى السادات لعزله؟
السؤال الأول يمكن مناقشته في ضوء طبيعة الصراع العسكري والسياسي آنذاك. فمن الطبيعي أن تتابع القيادة الإسرائيلية التغييرات التي تطرأ على القيادة العسكرية المصرية، وأن تحلل انعكاساتها على الموقف العسكري ومسار المفاوضات.
أما السؤال الثاني، وهو جوهر القضية، فيحتاج إلى دليل مباشر، مثل وثيقة رسمية أو محضر اجتماع أو شهادة واضحة ومحددة من أحد المشاركين في اتصالات ذات صلة.
فليس كل تغيير في القيادة المصرية يتوافق مع مصلحة إسرائيلية دليلًا على أن تل أبيب طلبت حدوثه، كما أن تزامن قرار سياسي مع رغبة محتملة لدى الطرف الآخر لا يكفي وحده لإثبات وجود اتفاق أو ضغط أو تدخل مباشر.
وهنا تتحدد أهمية البحث في المصادر الأصلية، بدلًا من الاكتفاء بالاستنتاجات التي قد تبدو منطقية، لكنها لا ترقى وحدها إلى مرتبة الحقيقة التاريخية المثبتة.
الصحافة المعاصرة للأحداث.. ماذا كشفت؟
تقدم التغطية الصحفية المعاصرة لحرب أكتوبر وما أعقبها مدخلًا مهمًا لفهم الطريقة التي استقبلت بها الأوساط الإسرائيلية إبعاد الشاذلي.
ومن المواد التي تستحق الدراسة خبر نشرته وكالة الأنباء اليهودية (JTA) في 14 ديسمبر 1973، تناول إعادة تشكيل القيادة العليا المصرية، وإبعاد الشاذلي واستبداله باللواء محمد عبد الغني الجمسي.
وبحسب ما ورد في التغطية المشار إليها، رأت دوائر إسرائيلية في التغييرات التي شهدتها القيادة المصرية تطورًا سياسيًا ارتبط بموقف السادات ومسار التفاوض، قبيل مؤتمر جنيف للسلام.
وتكتسب هذه المادة أهميتها من قربها الزمني من الأحداث، إذ إنها تعكس جانبًا من قراءة الأوساط الإسرائيلية للتغييرات التي شهدتها القاهرة في أعقاب الحرب.
لكن قراءة الخبر في سياقه لا تسمح بالقفز إلى استنتاج أن إسرائيل طلبت عزل الشاذلي. فهناك فارق واضح بين أن ترصد الصحافة الإسرائيلية قرار الإبعاد، وأن ترى فيه مكسبًا سياسيًا، وبين أن تنشر دليلًا على أن الحكومة الإسرائيلية تقدمت بطلب رسمي أو غير رسمي إلى السادات لإقصائه.
وبالتالي، فإن التغطية الصحفية تصلح دليلًا على الاهتمام الإسرائيلي بالقرار وتفسيره سياسيًا، لكنها لا تحسم وحدها مسألة وجود طلب إسرائيلي مباشر.
الوثائق الأمريكية.. شاهد من خارج طرفي الصراع
لا تقتصر أهمية البحث على المصادر المصرية والإسرائيلية، إذ تمثل الوثائق الدبلوماسية الأمريكية مصدرًا إضافيًا لفهم التحركات السياسية التي أحاطت بمرحلة ما بعد الحرب.
وفي هذا السياق، تبرز برقية دبلوماسية أمريكية من القاهرة مؤرخة في 6 ديسمبر 1973، تناولت وضع الشاذلي في القيادة المصرية.
وتساعد مثل هذه الوثائق على إعادة بناء صورة المشهد كما كانت تصل إلى الدبلوماسيين الأمريكيين في ذلك الوقت، ومقارنة المعلومات المتاحة لديهم بما ظهر في الصحافة وما ورد في المذكرات والشهادات اللاحقة.
غير أن عدم ورود دليل على طلب إسرائيلي في وثيقة معينة لا يعني بالضرورة أن مثل هذا الاتصال لم يحدث؛ فقد لا تتضمن البرقية كل تفاصيل الاتصالات السياسية، وقد تكون بعض المحادثات قد جرت عبر قنوات لم تصل تفاصيلها إلى معدّي التقارير.
وفي المقابل، لا يجوز استخدام هذا الاحتمال لتأكيد رواية غير موثقة. فغياب الدليل لا يثبت النفي المطلق، لكنه لا يمنح الادعاء صحة تلقائية أيضًا.
ولهذا تظل الوثائق الأمريكية عنصرًا مساعدًا في التحقيق، لا بديلًا عن العثور على دليل مباشر إذا كان الهدف إثبات أن إسرائيل طلبت بالفعل إبعاد رئيس الأركان المصري.
شهادة الشاذلي.. الخلاف العسكري والسياسي في قلب الرواية
تمثل شهادة الفريق سعد الدين الشاذلي عن حرب أكتوبر أحد المحاور الرئيسية لفهم الخلافات التي نشبت داخل القيادة المصرية خلال الحرب.
ففي مذكراته وظهوره في برنامج «شاهد على العصر» على قناة الجزيرة، تناول الشاذلي الخلاف بشأن إدارة العمليات العسكرية، والتطورات التي صاحبت الثغرة الإسرائيلية غرب القناة، والقرارات المتعلقة بتحريك القوات المصرية من شرق القناة لمواجهة القوات الإسرائيلية في الغرب.
وتكشف روايته عن خلاف جوهري في تقدير الموقف العسكري وحدود المخاطرة المقبولة، كما تضع العلاقة بين القيادة العسكرية والقرار السياسي في قلب النقاش حول إدارة الحرب.
لكن التعامل العلمي مع هذه الشهادة يتطلب التمييز بين ما قاله الشاذلي مباشرة، وما استنتجه من الوقائع، وما قد يضيفه آخرون إلى روايته عند تداولها لاحقًا.
فإذا كان هناك ادعاء بأن الشاذلي ذكر صراحة أن إسرائيل طلبت من السادات عزله، فإن إثبات ذلك يستوجب تحديد موضع التصريح في مذكراته أو إحدى حلقات شهادته، ثم قراءة النص كاملًا في سياقه.
أما نسبة هذا القول إليه من دون تحديد مصدره، فلا تكفي لإثبات الرواية، حتى لو كان الخلاف بينه وبين القيادة السياسية حقيقة معروفة في تاريخ الحرب.
هل كان إبعاد الشاذلي مكسبًا لإسرائيل؟
من منظور التحليل السياسي والعسكري، يمكن طرح سؤال مشروع: هل كان إبعاد قائد عسكري يختلف مع القيادة السياسية بشأن إدارة العمليات تطورًا يمكن أن تراه إسرائيل إيجابيًا؟
الإجابة المحتملة ترتبط بتقدير طبيعة الخلافات داخل القيادة المصرية، ومدى انعكاسها على الخيارات العسكرية والتفاوضية بعد الحرب.
فقد تنظر دولة إلى تغيير في قيادة خصمها باعتباره فرصة سياسية أو تطورًا يخدم رؤيتها للمفاوضات، من دون أن تكون قد طلبت هذا التغيير أو تدخلت لتحقيقه.
وهذا التمييز أساسي في دراسة العلاقات الدولية؛ إذ إن استفادة طرف من قرار اتخذه خصمه بصورة مستقلة لا تعني بالضرورة أنه كان وراء القرار.
وفي حالة الشاذلي، فإن الإشارة إلى أن بعض الأوساط الإسرائيلية رأت في التغييرات المصرية تطورًا يخدم مسار التفاوض لا تثبت وحدها وجود طلب إسرائيلي مباشر. وإنما تفتح بابًا لبحث أوسع حول كيفية قراءة إسرائيل للتغييرات داخل القيادة المصرية، ومدى تأثيرها في تقديراتها السياسية والعسكرية.
ما الذي نحتاج إليه لحسم اللغز؟
إذا كان الهدف الوصول إلى إجابة تاريخية قاطعة، فإن الطريق لا يمر عبر تكرار الروايات المتداولة، بل عبر مراجعة مجموعة من المصادر الأولية التي يمكن أن تكشف ما جرى خلف الأبواب المغلقة.
أول هذه المسارات هو الأرشيف الإسرائيلي، بما يتضمنه من محاضر اجتماعات الحكومة ومراسلات وزارة الخارجية والوثائق العسكرية المتعلقة بتقييم القيادة المصرية خلال الحرب وبعدها.
ويأتي بعد ذلك الأرشيف الأمريكي، ولا سيما البرقيات الدبلوماسية ومحاضر اللقاءات التي جمعت هنري كيسنجر بالمسؤولين المصريين والإسرائيليين، بحثًا عن أي إشارة إلى مسألة الشاذلي أو التغييرات في القيادة المصرية.
أما المسار الثالث، فيتمثل في المقارنة بين شهادات القادة المصريين والإسرائيليين ومذكراتهم، مع ضرورة التحقق من النصوص الأصلية وتواريخ نشرها، والتمييز بين الشهادة المباشرة والاستنتاج الشخصي والرواية المنقولة عن الآخرين.
ومن دون هذا النوع من المقارنة، قد تظل القصة أسيرة روايات متضاربة لا يمكن ترجيح إحداها لمجرد شيوعها أو توافقها مع تصور سياسي معين.
الخلاصة.. بين المصلحة الإسرائيلية والدليل التاريخي
يظل سؤال ما إذا كانت إسرائيل قد طلبت عزل الفريق سعد الدين الشاذلي من الأسئلة التي تستحق البحث، بالنظر إلى أهمية موقعه العسكري خلال حرب أكتوبر، والخلافات التي ظهرت بشأن إدارة العمليات، والتغيرات التي شهدتها القيادة المصرية في مرحلة ما بعد الحرب.
وتشير التغطية المعاصرة للأحداث إلى أن إبعاد الشاذلي كان موضع اهتمام في الأوساط الإسرائيلية، وأن التغييرات في القيادة المصرية قُرئت في إطار التطورات السياسية ومسار المفاوضات.
لكن هذا لا يثبت أن إسرائيل تقدمت بطلب مباشر إلى الرئيس أنور السادات لإبعاده. وحتى العثور على وثيقة أصلية أو شهادة محددة يمكن التحقق منها، تظل هذه النقطة غير محسومة.
فالفرق كبير بين أن تكون إسرائيل قد استفادت سياسيًا من إبعاد الشاذلي، وأن تكون قد طلبت إبعاده بالفعل. الأول يمكن مناقشته في ضوء قراءة الأحداث ومصادرها، أما الثاني فيحتاج إلى دليل مباشر لا تحتمل دلالته التأويل.
وهكذا، فإن لغز إبعاد الشاذلي لا يكمن فقط في معرفة من استفاد من القرار، وإنما في تحديد الكيفية التي اتُخذ بها، وما إذا كانت هناك اتصالات خارجية أثرت فيه. وبين الوثائق والشهادات والروايات المتداولة، تظل الإجابة التاريخية الأمينة هي التزام ما تثبته الأدلة، وانتظار ما قد تكشفه الوثائق الأصلية من تفاصيل جديدة.


