بلاغ يهز الدولة المصرية .. كيف كشف عيسى العيوطي أخطر قضايا الفساد المصرفي في تاريخ مصر
في صباح السابع من يونيو عام 1995، دخل المستشار رجاء العربي، النائب العام آنذاك، في لقاء لم يكن يدرك أنه سيفتح أحد أخطر ملفات الفساد الاقتصادي في تاريخ مصر الحديث. رئيس بنك النيل، عيسى العيوطي، طلب مقابلة عاجلة، ليس لتقديم شكوى عادية، بل للإبلاغ عن تسعة من كبار عملاء البنك. الصدمة الكبرى لم تكن في الأسماء اللامعة، بل في أن أولها كان اسم ابنته نفسها، علية عيسى العيوطي.
من قرية الغراقـة إلى قمة الاقتصاد
ولد عيسى العيوطي في قرية الغراقة بمركز أجا في محافظة الدقهلية، وبدأ رحلته من الزراعة إلى عالم المال بعد التحاقه بمدرسة التجارة العليا في القاهرة. تميّز مبكرًا في مجال المحاسبة القانونية، حتى أصبح أول محاسب قانوني مصري بالمعنى الحديث، وبنى سمعته على النزاهة والصرامة المهنية. حلمه الأكبر كان تأسيس بنك وطني على خطى طلعت حرب، وهو ما تحقق عام 1978 بتأسيس بنك النيل.
بنك النيل وحلم العائلة
امتلك عيسى العيوطي وأبناؤه نصف أسهم البنك، وأسند إدارة شؤونه تدريجيًا إلى أبنائه، خاصة ابنته علية بعد وفاة نجلِه محمد بمرض السرطان. في تلك المرحلة، بدا كل شيء مستقرًا، قبل أن يدخل رجل الأعمال محمود عزام إلى المشهد، ليقلب الموازين داخل البنك والعائلة معًا.
زواج غيّر المسار
رغم تحذيرات الأب، تزوجت علية العيوطي من محمود عزام عام 1994. منذ اللحظة الأولى، بدأ الأخير في بسط نفوذه داخل البنك، وتحولت علية من قيادية مصرفية إلى شريك أساسي في شبكة معقدة من التلاعب المالي. اعتمدت الشبكة على إصدار خطابات ضمان بملايين الجنيهات دون غطاء مالي، إضافة إلى تأسيس شركات وهمية برؤوس أموال صورية للحصول على قروض ضخمة.
انهيار القناع
الصدفة وحدها كشفت المستور. فاكس من بنك المهندس وصل إلى عيسى العيوطي، يتضمن خطاب ضمان من بنك النيل بقيمة 15 مليون جنيه لصالح زوج ابنته، في وقت لم تكن فيه سيولة البنك تكفي. هنا أدرك الأب حجم الكارثة، وتوجه فورًا إلى النائب العام ليبدأ فصل البلاغات المتتالية التي كشفت شبكة نهب منظّمة كادت تعصف بالاقتصاد المصري.
الهروب والمحاكمة
رغم منعها من السفر، حصلت علية العيوطي على إذن للعلاج بالخارج، لتبدأ رحلة هروب طويلة بين بيروت وباريس، مستخدمة التمويه الإعلامي. صدر ضدها حكم بالسجن 15 عامًا، وضد زوجها 10 أعوام، قبل أن تلقي الشرطة الفرنسية القبض عليها لاحقًا بموجب نشرة حمراء من الإنتربول، لتنتهي القضية بإخلاء سبيلها ورفض تسليمها لمصر.
إرث قضية لا تُنسى
لم تكن القضية مجرد فضيحة مصرفية، بل درسًا قاسيًا في خطورة الفساد حين يتسلل من داخل المؤسسات. عيسى العيوطي دفع الثمن الأكبر، سجنًا وانكسارًا، لكنه ترك وراءه شهادة تاريخية تؤكد أن الصمت على الفساد أخطر من مواجهته.
قضية بنك النيل، عيسى العيوطي، علية العيوطي، محمود عزام، الفساد المصرفي في مصر، قضايا البنوك، خطابات الضمان، الشركات الوهمية، نهب المال العام، تاريخ الفساد الاقتصادي في مصر

