العرب 24
يوليو 22 2026 الأربعاء
صفر 6 1448 هـ 01:23 مـ
جريدة العرب 24
كارثة ميت حلفا.. كيف قتلت كبسولة إشعاعية أسرة مصرية كاملة؟ (الجزء الثالث) كارثة ميت حلفا.. كيف قتلت كبسولة إشعاعية أسرة مصرية كاملة؟ (الجزء الثاني) تشيرنوبل مصر كارثة ميت حلفا.. كيف قتلت كبسولة إشعاعية أسرة مصرية كاملة؟ (الجزء الأول) ميسي هو اللي جالي - لأول مرة سر حركة لا للعنصرية من حسام حسن للحكم في ماتش الارجنتين «فيديو» الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية يبحث مع المستشار التعليمي التركي بالقاهرة تعزيز التعاون مع الجامعات التركية بالفيديو.. نجيب ساويرس يتحدث عن القضية الفلسطينية وحرب غزة وسقوط الذهب الكبير بالفيديو.. نجيب ساويرس يكشف عن رأيه في ترامب والشرع وإيران.. ماذا قال؟ هل نجيب ساويرس نسونجي؟ إجابة صادمة عن علاقاته النسائية سو-57.. الجيل الخامس ورهان موسكو على المستقبل سو-30.. بداية جيل جديد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وإلى أين وصل الدب الروسي؟ سو-24.. الطائرة التي جابت العالم «قصة الوحش الروسي سوخوي» خمسينيات القرن الماضي.. سو-7 تدخل عصر الطائرات النفاثة (قصة إمبراطورية السوخوي)

حادث مأساوي وثقته الوكالة الدولية للطاقة الذرية وكشف خطورة الإهمال في التعامل مع المصادر المشعة

تشيرنوبل مصر كارثة ميت حلفا.. كيف قتلت كبسولة إشعاعية أسرة مصرية كاملة؟ (الجزء الأول)

تشيرنوبل مصر
تشيرنوبل مصر

في السابع من مايو عام 2000، شهدت محافظة القليوبية، وتحديدًا قرية ميت حلفة، واحدة من أخطر الحوادث الإشعاعية التي عرفتها مصر، حادثة تحولت لاحقًا إلى قضية وثقتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية باعتبارها واحدة من أسوأ الحوادث النووية الكلاسيكية.

بدأت القصة بطفل لم يتجاوز التاسعة من عمره يدعى حسن فضل، ظهرت عليه أعراض مرضية غريبة لم يستطع أحد تفسيرها في البداية. كان الطفل يعاني من قيء وغثيان متكرر، وحروق جلدية ظهرت دون سبب واضح، إلى جانب تساقط الشعر وضعف شديد في الجسم. وبعد أيام قليلة فقط، فارق الحياة.

لكن المأساة لم تتوقف عند هذا الحد.

فبعد وفاة الطفل، بدأت الأعراض نفسها تظهر على والده. القيء والغثيان والحروق الجلدية وتساقط الشعر والضعف الشديد تكررت بصورة تكاد تكون مطابقة لما أصاب ابنه، ولم تمض سوى أيام حتى توفي الأب بالطريقة نفسها.

ومع مرور الوقت، بدأت المفاجأة الأكبر تتكشف، إذ ظهرت أعراض الإعياء الشديد على بقية أفراد الأسرة، ثم امتدت إلى بعض الجيران وكل من كان يزور المنزل.

كان حسن ووالده قد توفيا بسبب شيء غامض غير مرئي بالكامل، لا طعم له ولا رائحة ولا لون.

ذلك الشيء الغامض كان التعرض الإشعاعي الحاد.

لكن السؤال الذي فرض نفسه بقوة كان: كيف وصل مصدر إشعاعي شديد الخطورة إلى منزل بسيط داخل قرية مصرية هادئة؟ وهل كانت مجرد حادثة مأساوية، أم أن هناك إهمالًا جسيمًا تسبب في وقوع الكارثة؟ وكيف تمكن المحققون، بعد أسابيع من الغموض، من كشف السر؟ والأهم من ذلك كله، كيف يمكن حماية الناس من خطر لا يمكن رؤيته بالعين المجردة؟

قرية هادئة على موعد مع الكارثة

في مساء يوم عادي من أيام شهر مايو عام 2000، كانت الحياة تسير بصورة طبيعية داخل قرية ميت حلفة بمحافظة القليوبية.

الأطفال يلعبون في الشوارع، والفلاحون يعودون من الأراضي الزراعية، والقرية الهادئة لم يكن أحد يتوقع أنها على موعد مع واحدة من أخطر الحوادث الإشعاعية في تاريخ مصر.

ولم تقتصر أهمية الواقعة على كونها حادثًا محليًا، بل جرى توثيقها أيضًا لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية باعتبارها واحدة من أخطر الحوادث النووية الكلاسيكية.

بداية القصة.. كبسولة صغيرة تحمل الموت

قبل أيام قليلة من وقوع الكارثة، وعلى بعد عدة كيلومترات من القرية، كان فريق متخصص في التصوير الإشعاعي الصناعي يجري فحوصات على أحد خطوط الغاز.

وتستخدم هذه الفرق مصادر إشعاعية عالية النشاط لفحص عيوب اللحامات داخل خطوط الأنابيب دون الحاجة إلى الحفر أو إتلاف الخط.

كان أحد هذه المصادر عبارة عن كبسولة صغيرة للغاية تحتوي على مادة الإيريديوم-192.

ورغم أن حجم الكبسولة كان صغيرًا إلى درجة أنه يمكن وضعها داخل جيب الملابس ونسيانها، فإنها كانت قادرة على إطلاق كميات هائلة من أشعة جاما شديدة الخطورة.

وبعد انتهاء العمل في ذلك اليوم، وقع الحدث الذي غيّر كل شيء.

فقد انفصلت الكبسولة المشعة عن جهاز التصوير وسقطت في موقع العمل دون أن ينتبه إليها أحد.

قد يكون سقوط المصدر المشع خطأ وارد الحدوث، إلا أن الخطأ الأكبر كان عدم إجراء التفتيش اللازم على المعدات الخطرة بعد انتهاء العمل للتأكد من وجود جميع المصادر المشعة في أماكنها.

أنهى العمال مهمتهم، جمعوا معداتهم، وغادروا الموقع، بينما تُرك المصدر المشع ملقى على الأرض.

كان مصدرًا إشعاعيًا مفقودًا، أو ما يعرف علميًا باسم "المصدر اليتيم" (Orphan Source)، وهو الوصف الذي يطلق على المصادر المشعة المجهولة أو الضائعة التي تصبح خارج السيطرة الرقابية.

المزارع الذي حمل الموت إلى منزله

بعد فترة قصيرة، كان المزارع المصري البسيط فضل حسن فضل عائدًا من عمله في الأرض الزراعية إلى منزله.

وأثناء مروره بالقرب من موقع العمل، لفت انتباهه جسم معدني صغير شديد اللمعان، بدا أكثر بريقًا من الفضة.

تصرف الرجل بالطريقة التي ربما يتصرف بها أي شخص في الموقف نفسه.

اعتقد أن ما وجده قطعة معدنية ثمينة، فقرر اصطحابها إلى منزله.

لم يكن يعلم أنه يحمل معه الموت.

وضع الكبسولة داخل درج يحتفظ فيه بالأوراق المهمة.

ومنذ تلك اللحظة بدأت الكارثة الحقيقية.

أصبح المصدر المشع داخل المنزل، وعلى بعد سنتيمترات قليلة من أفراد الأسرة، ينتقل من مكان إلى آخر، ويتعامل معه أفراد البيت دون أن يدركوا حقيقته.

وظل الوضع على هذا النحو لساعات طويلة، ثم لأيام متتالية.

وخلال تلك الفترة، كانت أشعة جاما تخترق أجسادهم في صمت.

لم يشعر أحد بحرارة.

لم يشعر أحد بألم.

لم تكن هناك رائحة.

ولم يكن هناك أي لون أو صوت يمكن أن ينبههم إلى الخطر.

كان الإشعاع غير المرئي يواصل قتل الخلايا والأنسجة داخل أجسادهم بصمت تام.

تابع في الجزء الثاني...