سو-57.. الجيل الخامس ورهان موسكو على المستقبل

مع دخول العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، وجدت شركة سوخوي نفسها أمام مرحلة جديدة تختلف بصورة كبيرة عن جميع المراحل السابقة. فبعد عقود طويلة من تطوير مقاتلات الجيلين الثالث والرابع، انتقلت الشركة إلى إنتاج مقاتلات الجيل الخامس، لتصبح سو-57 المشروع الأهم في تاريخها الحديث، والركيزة الأساسية التي تعول عليها روسيا للحفاظ على تفوقها الجوي في العقود المقبلة.
وفي عام 2020 دخلت سو-57 الخدمة، لتصبح أحدث مقاتلات شركة سوخوي، وأحدث ما أنتجته الصناعة الجوية الروسية في مجال الطائرات متعددة المهام.
وجاء تصميم الطائرة ليجمع بين قدرات التفوق الجوي والهجوم الأرضي والضربات الإستراتيجية بعيدة المدى، مع الاعتماد على أحدث ما توصلت إليه روسيا في مجالات المحركات، والإلكترونيات، وأنظمة الحرب الإلكترونية، وتقنيات التخفي.
وركز المهندسون الروس خلال عملية التطوير على تقليل البصمة الرادارية للطائرة، بحيث تصبح أقل قابلية للرصد من قبل رادارات العدو، وهو ما يمنحها أفضلية كبيرة عند تنفيذ المهام داخل الأجواء المعادية.
كما حصلت الطائرة على محركات نفاثة متطورة توفر لها قدرة كبيرة على المناورة والطيران بسرعات فوق صوتية لفترات طويلة، فضلاً عن أنظمة إلكترونية متقدمة تسمح للطيار بالحصول على صورة شاملة لساحة المعركة، وإدارة الاشتباكات الجوية بكفاءة عالية.
وتستطيع سو-57 التحليق بسرعة تقارب 2.5 ماخ، الأمر الذي يمكنها من تنفيذ عمليات الاعتراض والهجوم والمناورة بسرعة كبيرة، كما زودت بترسانة متنوعة من الأسلحة، تشمل صواريخ جو-جو بعيدة وقصيرة المدى، وصواريخ جو-أرض، والقنابل الذكية، والرشاشات الثقيلة.
ولم تقتصر قدرات الطائرة على التسليح فقط، بل شملت أيضًا أنظمة اتصالات وتحكم حديثة تسمح بربطها بشبكات القيادة والسيطرة الروسية، بما يتيح تنفيذ العمليات العسكرية بصورة أكثر دقة، مع توفير دعم مباشر للقوات البرية والبحرية.
وترى موسكو أن سو-57 تمثل حجر الأساس للقوات الجوية الروسية خلال العقود المقبلة، وأنها ستكون العمود الفقري لعمليات التفوق الجوي الروسية في المستقبل.
سو-75.. مشروع «Checkmate» والطائرة التي يعول عليها الروس
ورغم أن سو-57 تعد أحدث المقاتلات العاملة حاليًا، فإن سوخوي لم تتوقف عند هذا الحد، بل بدأت بالفعل العمل على مشروع جديد تقول إنه سيشكل مستقبل الطيران الحربي الروسي.
ويتمثل هذا المشروع في المقاتلة سو-75، التي كشفت الشركة عن نموذجها الأول خلال معرض ماكس للطيران 2021 في موسكو، باعتبارها مقاتلة شبحية متعددة المهام تستهدف المنافسة في الأسواق العالمية.
ويعتمد تصميم الطائرة على مفهوم التخفي، حيث صمم هيكلها بزوايا خاصة تقلل من إمكانية اكتشافها بواسطة الرادارات، كما استخدمت في تصنيعها مواد متطورة تشمل سبائك الألومنيوم المقوى بالليثيوم، والتيتانيوم، والمواد المركبة المصنوعة من ألياف الكربون، بهدف تخفيف الوزن وزيادة القدرة على المناورة.
وتشير المعلومات المعلنة إلى أن الطائرة ستكون قادرة على الطيران بسرعة تصل إلى 2.5 ماخ، مع تنفيذ مجموعة واسعة من المهام، تشمل:
- التفوق الجوي.
- الهجوم الأرضي.
- الاستطلاع.
- تنفيذ العمليات الخاصة.
- التدريب القتالي.
كما ستزود بمنظومات رادارية حديثة، وأنظمة حرب إلكترونية، ومنظومات متطورة للتحكم في الأسلحة، إضافة إلى صواريخ جو-جو، وصواريخ جو-أرض، وقنابل ذكية عالية الدقة.
ويرى الروس أن سو-75 ستكون منافسًا مباشرًا للطائرة الأمريكية F-35 Lightning II والمقاتلة الأوروبية Eurofighter Typhoon، بينما تؤكد موسكو أنها ستقلب موازين سوق الطائرات المقاتلة عند دخولها الخدمة، وهو ما تستهدفه وفق الخطط المعلنة خلال النصف الثاني من العقد الحالي.
عقوبات غربية... وتحديات لم توقف الإنتاج
لم تكن رحلة سوخوي خلال العقود الأخيرة سهلة، فمع تصاعد التوتر بين روسيا والغرب، فرضت الولايات المتحدة ودول أوروبية حزمًا واسعة من العقوبات على قطاعات الصناعات العسكرية والطيران الروسية.
وشملت تلك العقوبات تقييد وصول الشركات الروسية إلى عدد من المواد الخام، والتقنيات الإلكترونية، والمكونات الدقيقة التي تدخل في صناعة الطائرات الحديثة.
ورغم ذلك، تؤكد إدارة الشركة أنها مستمرة في تنفيذ برامج الإنتاج والتطوير، مع الاعتماد بصورة أكبر على سلاسل التوريد المحلية، وتطوير بدائل روسية للمكونات التي تعذر الحصول عليها من الأسواق الخارجية.
ويرى مراقبون أن قدرة سوخوي على الحفاظ على وتيرة الإنتاج في ظل هذه الظروف ستظل أحد أهم الاختبارات التي تواجه الصناعة العسكرية الروسية خلال السنوات المقبلة، خصوصًا مع ارتفاع الطلب على المقاتلات الحديثة داخل القوات المسلحة الروسية، واستمرار سعي موسكو للحفاظ على حصتها في سوق تصدير السلاح.
تحقيق صحفي.. قراءة في مسيرة ثمانية عقود
منذ تأسيسها عام 1939، لم تكن سوخوي مجرد مصنع للطائرات، بل أصبحت أحد أبرز رموز الصناعة العسكرية الروسية، إذ واكبت مختلف التحولات السياسية والعسكرية التي مرت بها البلاد، من الحرب العالمية الثانية، مرورًا بالحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفيتي، وصولًا إلى الصراعات المعاصرة.
وخلال هذه المسيرة، أنتجت الشركة عشرات الطرازات التي تنوعت بين طائرات الاستطلاع، والهجوم الأرضي، والاعتراض، والتفوق الجوي، والقاذفات متعددة المهام، وصولًا إلى مقاتلات الجيل الخامس، وهو ما جعل اسمها حاضرًا باستمرار في ميادين القتال، وفي معارض الصناعات الدفاعية حول العالم.
ولم تقتصر مكانة سوخوي على خدمة القوات الجوية الروسية، بل نجحت في تصدير طائراتها إلى العديد من الدول، لتصبح واحدة من أكثر شركات تصنيع المقاتلات تأثيرًا في العالم.
وفي المقابل، يواجه مستقبل الشركة تحديات لا تقل صعوبة عن تلك التي واجهتها في الماضي، سواء بسبب العقوبات الغربية، أو المنافسة الشرسة مع الشركات الأمريكية والأوروبية والآسيوية، أو بسبب التطور السريع في تكنولوجيا الطائرات غير المأهولة والذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، تؤكد سوخوي أنها ماضية في تنفيذ خططها، وأن مشروعاتها الجديدة، وفي مقدمتها سو-75، تمثل بداية مرحلة جديدة من تاريخ الشركة.
وهكذا، وبين الماضي الذي بدأ بطائرة سو-2 في أربعينيات القرن الماضي، والحاضر الذي تمثله سو-57، والمستقبل الذي تراهن عليه سو-75، تواصل سوخوي كتابة فصل جديد من تاريخ الطيران العسكري الروسي، في رحلة تمتد لأكثر من ثمانية عقود، وتبقى خلالها واحدة من أكثر شركات صناعة المقاتلات إثارة للجدل والتأثير في العالم.

