«من عاش في الشمس لن يخشى الظلام»
سوخوي.. من مصانع الحرب العالمية الثانية إلى مقاتلات الجيل الخامس.. كيف أصبحت «رعب السماء» وأحد أبرز أركان القوة الجوية الروسية؟

«من عاش في الشمس لن يخشى الظلام».. عبارة تلخص جانبًا من العقيدة العسكرية الروسية التي برزت مع تصاعد الحرب الروسية الأوكرانية. ففي منتصف عام 2022، وبعد تعثر التقدم الروسي في المراحل الأولى من العمليات العسكرية، واجهت القوات الروسية تحديات ميدانية كبيرة تمثلت في تباطؤ العمليات الهجومية وصعوبة التقدم على جبهات القتال.
وفي خضم تلك التطورات، اتجهت موسكو إلى تكثيف الاعتماد على سلاحها الجوي، لتبرز مقاتلات سوخوي باعتبارها أحد أهم أدوات القوة العسكرية الروسية. وخلال ساعات الليل، أقلعت مقاتلات سو-35 لتنفيذ غارات دقيقة استهدفت مواقع للجيش الأوكراني في شرق البلاد، في محاولة لإعادة رسم موازين المعركة ودعم القوات البرية.
ومع تكثيف تلك العمليات، عاد اسم سوخوي ليتصدر نشرات الأخبار ووسائل الإعلام العالمية، باعتباره رمزًا للصناعة العسكرية الروسية، واسمًا ارتبط لعقود بالقوة الجوية والقدرات القتالية المتطورة. فمنذ تأسيس الشركة وحتى اليوم، شاركت طائراتها في عدد كبير من الحروب والصراعات، وأصبحت إحدى الركائز الأساسية للقوات الجوية الروسية، كما نجحت في تصدير مقاتلاتها إلى العديد من دول العالم.
فما قصة شركة سوخوي؟ وكيف بدأت رحلتها؟ وما الذي جعلها تنافس كبرى شركات تصنيع الطائرات العسكرية في العالم؟
البداية.. كيف ولدت شركة سوخوي؟
تعد شركة سوخوي الروسية واحدة من أبرز الشركات العالمية المتخصصة في تصميم وتصنيع الطائرات العسكرية، وقد تأسست عام 1939 بدعم مباشر من الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين، لتصبح إحدى الشركات الرئيسية في صناعة الطيران داخل الاتحاد السوفيتي.
ومنذ السنوات الأولى لتأسيسها، بدأت الشركة في التعاون مع المؤسسات العسكرية السوفيتية لإنتاج الطائرات الحربية، وكان أول إنتاج لها هو طائرة سو-2 التي دخلت مرحلة التصنيع عام 1940.
ومنذ ذلك الوقت، واصلت الشركة العمل بوتيرة متسارعة، معتمدة على البحث والتطوير لتصميم طائرات تتميز بالأداء العالي والجودة، وهو ما جعلها تحقق قفزات كبيرة خلال سنوات الحرب العالمية الثانية.
الحرب العالمية الثانية.. نقطة التحول
شهدت الحرب العالمية الثانية تطورًا كبيرًا في مسيرة سوخوي، إذ لعبت الشركة دورًا مهمًا في دعم القوات الجوية السوفيتية من خلال تصميم وإنتاج عدد كبير من الطائرات العسكرية.
وساهمت تلك الطائرات في الحد من التقدم الألماني نحو الأراضي السوفيتية، كما شاركت في تنفيذ هجمات ضد أهداف داخل ألمانيا، لتصبح الصناعة الجوية السوفيتية أحد عناصر القوة خلال الحرب.
وخلال تلك المرحلة، أنتجت الشركة عددًا من الطائرات التي شكلت بداية تاريخها العسكري، قبل أن تواصل تطوير أجيال جديدة أكثر تطورًا خلال العقود التالية.
سو-7.. أول المقاتلات النفاثة
في عام 1955، وضعت سوخوي واحدة من أبرز محطات تاريخها بإطلاق المقاتلة سو-7، التي اعتُبرت أول طائرة نفاثة تنتجها الشركة، وحظيت بإشادة واسعة داخل الاتحاد السوفيتي وخارجه.
وشكلت الطائرة نقلة نوعية في الصناعة الجوية السوفيتية، وأصبحت الأساس الذي انطلقت منه الشركة نحو تطوير مقاتلات أكثر تطورًا خلال العقود اللاحقة.
سو-27.. أيقونة الطيران الروسي
واصلت الشركة تطوير مقاتلاتها حتى كشفت عام 1977 عن المقاتلة الشهيرة سو-27، التي تعد واحدة من أكثر الطائرات تطورًا في تاريخ الطيران العسكري.
وحتى اليوم، ما تزال هذه الطائرة تخدم في القوات الجوية الروسية، كما تستخدمها العديد من الدول حول العالم، بفضل قدراتها القتالية العالية وإمكانياتها في تنفيذ مختلف المهام الجوية.
ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي
أدى انهيار الاتحاد السوفيتي إلى خصخصة عدد كبير من المصانع والمكاتب التي كانت تنتج مكونات طائرات سوخوي، وهو ما فرض تحديات كبيرة أمام الشركة خلال أوائل تسعينيات القرن الماضي.
وخلال تلك الفترة، بدأت سوخوي في تنويع منتجاتها، فاتجهت إلى تطوير مشروعات للطائرات المدنية، قبل أن تعيد الحكومة الروسية في عام 1996 هيكلة الشركة وتجميعها تحت كيان موحد يحمل اسم سوخوي.
ومنذ ذلك الحين، واصلت الشركة نشاطها دون توقف، سواء خلال الحقبة السوفيتية أو الروسية، حتى أصبحت تمتلك خبرة واسعة في مجالات الطيران والفضاء، كما رسخت مكانتها بين أكبر الشركات المصنعة للمقاتلات الحربية في العالم، وأصبحت تستحوذ على حصة مهمة من سوق الطائرات العسكرية العالمية.
سو-2.. البداية الأولى (1940)
كانت سو-2 أول طائرة تنتجها شركة سوخوي، وقد صُممت خلال الحرب العالمية الثانية بناءً على طلب من القيادة السوفيتية، وتولى تصميمها المهندس الروسي أندريه سوخوي.
وجاء تصميم الطائرة لتلبية احتياجات سلاح الجو السوفيتي لطائرة استطلاع وهجوم خفيف قادرة على العمل في الظروف البحرية الصعبة، حيث استخدمت في رصد الغواصات الألمانية والسفن الحربية وتحديد مواقعها.
وزُودت الطائرة بجناحين كبيرين مكّناها من التحليق لمسافات طويلة ولساعات متواصلة، كما استخدمت في عدد كبير من المهام العسكرية والاستطلاعية خلال الحرب.
وخلال فترة الإنتاج، تم تصنيع نحو 910 طائرات من هذا الطراز، وحققت نجاحًا ملحوظًا في أداء المهام الموكلة إليها.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، أصبحت الطائرة قديمة مقارنة بالأجيال الجديدة من المقاتلات والطائرات العسكرية، ليتم استبدالها بطرازات أكثر تطورًا، لكنها بقيت إحدى المحطات المهمة في تاريخ صناعة الطيران الروسي، وأسهمت بصورة واضحة في النجاحات العسكرية التي حققها الاتحاد السوفيتي خلال سنوات الحرب.

