العرب 24
جريدة العرب 24

هل يمكن أن يقتلنا العمل؟ تحقيق صحفي عن ساعات الشغل الطويلة والموت الصامت في مصر

الموت بسبب العمل
رحيم أحمد العلامي -

في مجتمع يُمجِّد العمل المفرط ويعتبر الإرهاق بطولة، تمرّ قصص الموت بسبب الشغل كأرقام صامتة أو حكايات عابرة. لا لافتات تحذير، ولا إحصاءات رسمية، ولا اعتراف واضح بأن ساعات العمل الطويلة قد تكون قاتلة. هذا التحقيق يفتح الملف المسكوت عنه، مستندًا إلى وقائع حقيقية، ودراسات علمية، وتجارب إنسانية تكشف كيف يتحول السعي وراء لقمة العيش إلى رحلة استنزاف تنتهي أحيانًا بالموت.

محمد ممدوح.. سقوط بلا مقدمات

في أغسطس 2024، خرج محمد ممدوح، 29 عامًا، من عمله في أحد فنادق المنيا بعد يوم مرهق. كان قد عمل شيفتين متتاليتين، ودخل في مشادة مع مديره، ثم سقط فجأة في الطريق مغشيًا عليه. نُقل إلى المستشفى، وهناك أعلن الأطباء وفاته بسبب انفجار في الشرايين ناتج عن ضغط عصبي حاد. لم يُسجَّل سبب الوفاة كـ"موت بسبب العمل"، بل كحالة طبيعية، لتنتهي القصة رسميًا، بينما تبدأ الأسئلة فعليًا.

أسماء رفعت.. الانتحار في قلب المستشفى

بعد شهرين فقط، وتحديدًا في المنصورة، أقدمت الممرضة أسماء رفعت، 28 عامًا، على إنهاء حياتها أثناء نوبة عملها. أسماء كانت تشتكي باستمرار من ضغط العمل في مستشفى الجامعة، وحاولت مرارًا النقل إلى مكان أقل إرهاقًا، لكن طلباتها قوبلت بالرفض. الضغط المستمر، غياب الاستجابة، وانعدام الأفق، دفعوها إلى نقطة اللاعودة.

هل يمكن أن يؤدي ضغط العمل إلى الموت؟

الإجابة العلمية صادمة. منظمة الصحة العالمية ومنظمة العمل الدولية أكدتا أن ساعات العمل الطويلة تلعب دورًا رئيسيًا في الوفاة الناتجة عن السكتات الدماغية وأمراض القلب. في عام 2016 وحده، سُجلت 745 ألف حالة وفاة بسبب الإفراط في العمل، بزيادة 29 بالمئة مقارنة بعام 2000. الأخطر أن التعريف المعتمد لساعات العمل "الخطرة" كان 55 ساعة أسبوعيًا فقط، بينما يعمل كثيرون في مصر أكثر من 90، وأحيانًا يتجاوزون 100 ساعة أسبوعيًا.

العمل لا يقتل مباشرة.. لكنه يمهد الطريق

الضغط المهني لا يُسجل كسبب مباشر للوفاة، لكنه يفتح الباب لأمراض قاتلة. استشارية الطب النفسي الدكتورة إيمان عبد الله أوضحت أن ضغط العمل المزمن يؤدي إلى اضطرابات نفسية مثل القلق والاكتئاب والأرق، والتي تتحول لاحقًا إلى أمراض عضوية مثل ارتفاع ضغط الدم، واضطرابات الدورة الدموية، وصولًا إلى الجلطات القلبية والدماغية.

فراغ إحصائي في مصر

رغم خطورة الظاهرة، لا توجد في مصر أرقام رسمية معترف بها عن الوفيات الناتجة عن الإفراط في العمل. على عكس اليابان، التي تعترف بالموت بسبب العمل تحت مسمى "كاروشي"، تُسجَّل الحالات في مصر كوفيات طبيعية، دون توثيق الخلفيات المهنية. لا وزارة الصحة، ولا القوى العاملة، ولا أي جهة رسمية تضع الملف على الطاولة.

الممرضات.. الحلقة الأضعف

دراسة صادرة عن كلية تمريض جامعة المنيا بعنوان "العلاقة بين ساعات العمل ومخاطر الصحة المهنية بين الممرضات" كشفت أن 91.7 بالمئة من الممرضات اللاتي يعملن لساعات طويلة معرضات لمخاطر صحية مرتفعة، بينما 8.3 بالمئة فقط مخاطرهن منخفضة. أي أن النجاة شبه مستحيلة في هذا النظام. شهادات ميدانية تحدثت عن بيئة عمل غير آدمية، انتشار القطط داخل المستشفيات والسكن، تدني الرواتب، وانعدام الأمان.

الأطباء.. نبطشيات بلا نهاية

تحقيق لموقع "زاوية ثالثة" كشف واقع الأطباء النفسيين في مصر. أحدهم يعمل 27 نبطشية شهريًا، كل نبطشية 24 ساعة كاملة، ولا يعود إلى منزله إلا ثلاثة أيام فقط. طبيب آخر في أسيوط كان يتقاضى 86 جنيهًا مقابل نبطشية 24 ساعة، وإذا زادت النبطشيات عن 10 شهريًا لا يحصل على أجر إضافي. الرفض يعني الجزاءات والخصومات. النتيجة كانت هجرة جماعية للأطباء.

القطاع الخاص.. ضغط بلا سقف

دراسة من كلية طب المنصورة على أحد المصانع في الدقهلية أظهرت أن نظام الشفتات يؤدي إلى اضطرابات النوم، الأرق، والنعاس النهاري. الأخطر أن كل مشكلات النوم كان لها تأثير سلبي كبير على الأداء المهني، ما يعني أن العامل المنهك يُعاقَب على تدهور أدائه، في حلقة مفرغة من الاستنزاف.

ثقافة تمجيد الإرهاق

جزء من المشكلة اجتماعي. في الثقافة السائدة، يُنظر لمن يعمل لساعات طويلة على أنه "راجل" أو "مجتهد"، بينما يُتهم من يطالب بتوازن الحياة والعمل بالكسل. هذا الخطاب تعززه فيديوهات التنمية البشرية التي تمجد العمل بلا توقف، وتُجرّم الراحة، وتربط القيمة الإنسانية بالإنتاج فقط.

الإدمان الأخطر.. إدمان العمل

هناك فئة لا تُجبر فقط، بل تُدمن العمل. مصطلح "وركاهوليك" يصف مدمن الشغل الذي يعمل دون حاجة مادية أو مهنية، ويعجز عن التوقف. يهمل أسرته، يفشل اجتماعيًا، يعاني القلق والأرق ونوبات الهلع والاكتئاب، ويُعرّض نفسه لنفس المخاطر الصحية القاتلة. المفارقة أن المجتمع يصفق له، خاصة إذا كان مديرًا.

لماذا يحدث كل هذا؟

• الفقر المرتفع الذي يدفع الناس لقبول أي شروط.
• استغلال أصحاب الأعمال لحاجة العمال.
• غياب الرقابة الفعلية على ساعات العمل.
• ضعف القوانين أو عدم تطبيقها.
• ثقافة اجتماعية تمجد الإرهاق وتحتقر الراحة.

ماذا عن الدول الأخرى؟

دول مثل هولندا، النرويج، وسويسرا تحقق دخولًا قومية مرتفعة مع متوسط ساعات عمل يتراوح بين 29 و34 ساعة أسبوعيًا. هذه الدول لا تفعل ذلك بدافع الإنسانية فقط، بل لأن النظام الرأسمالي هناك أدرك أن الإنسان مورد يجب الحفاظ عليه لا استهلاكه.

الحلول الممكنة

• الاعتراف الرسمي بظاهرة الموت بسبب العمل.
• وضع حد أقصى حقيقي لساعات العمل.
• رقابة صارمة على القطاعين العام والخاص.
• دعم الصحة النفسية في بيئة العمل.
• علاج إدمان العمل بالعلاج السلوكي.
• ممارسة الرياضة أو المشي اليومي لتخفيف الضغط.

خاتمة

الفيلسوف برتراند راسل قال إن قدرًا كبيرًا من الضرر في العالم الحديث نابع من الإيمان بفضيلة العمل، وأن السعادة تكمن في تقليص منظم له. بين محمد وأسماء، وبين آلاف القصص غير المروية، يبقى السؤال مفتوحًا: متى نعترف أن العمل قد يقتل، وأن النجاة تبدأ بالوعي.

الموت بسبب العمل، ساعات العمل الطويلة في مصر، ضغط الشغل، إدمان العمل، وركاهوليك، صحة العمال في مصر، النبطشيات الطبية، الممرضات في مصر، بيئة العمل، كاروشي، العمل والوفاة، الإجهاد المهني