الطب النبوي… كيف سبق ابن القيم زمانه بـ ”الطب النبوي”

يمثل كتاب الطب النبوي لإمام العلماء ابن القيم الجوزية محطة مميزة في تاريخ الطب الإسلامي، إذ جمع بين الهدي النبوي والخبرة الطبية العملية بطريقة علمية متكاملة، فقد سبَق ابن القيم عصره بفهمه العميق لطبيعة الجسد وآليات الشفاء، مؤكدا على أن الغذاء هو خط الدفاع الأول ضد الأمراض، وأن الدواء يجب أن يُستخدم بحذر وفي الحالات الضرورية فقط.
الحفاظ على صحة الجسد
و يقول ابن القيم: "وقد اتفق الأطباء على أنه متى أمكن التداوي بالغذاء، لا يعدل إلى الدواء، ومتى أمكن بالبسيط، لا يعدل إلى المركب". يوضح هنا أهمية البدء بالعلاج بالغذاء في كل الأمراض، واللجوء إلى الدواء عند الحاجة، ثم اختيار الأدوية البسيطة قبل المركّبة, هذا التدرج العلاجي يعكس فهمًا متقدمًا لكيفية الحفاظ على صحة الجسد وتقليل المخاطر المرتبطة بالأدوية.
ويضيف تحذيرًا بليغًا للطبيب: "ولا ينبغي للطبيب أن يُولَعَ بسقي الأدوية؛ فإن الدواء إذا لم يجد في البدن داء يحلله، أو وجد داءً لا يوافقه، أو وجد ما يوافقه فزادت كميته عليه أو كيفيته - تشبَّث بالصحة وعبث بها". أي أن الإفراط في وصف الدواء بلا ضرورة قد يضر الجسد أكثر مما ينفع، خصوصًا في الأمراض الخفيفة التي يمكن للجسم أو جهاز المناعة التعامل معها وحده، أو تلك التي يمكن السيطرة عليها بالحمية وتعديل نمط الحياة، مثل بعض حالات السكري في بداياته.
تغيير النظام الغذائي
وتجلى هذا المنهج بوضوح في أمثلة معاصرة: أمراض انسداد الشرايين والدهون الثلاثية يُعالجها المريض أولًا بتغيير النظام الغذائي، من تناول الخضروات والفواكه وتقليل الدهون المشبعة، فإذا لم يستجب الجسم، يُستخدم الدواء الأحادي البسيط، وإن لم يفلح، يُلجأ إلى الأدوية المركّبة أو التدخلات الطبية الأكثر تعقيدًا.
منظومة علمية متكاملة
ومن خلال هذه المبادئ، يتضح أن الطب النبوي عند ابن القيم ليس مجرد وصفات تقليدية، بل منظومة علمية متكاملة تضع الإنسان وصحته في محور الاهتمام، وتبرز أهمية الوقاية، وترشيد استخدام الأدوية، والاعتماد على قوى الجسد الطبيعية في مواجهة الأمراض، مما يجعله سبّاقًا لعصره ومصدر إلهام للطب الحديث.

