رسالة دكتوراه تفتح نافذة على صورة المستعربين اليهود
د. شروق صبري.. من الصحافة إلى البحث الأكاديمي في رحلة لفك رموز «المستعربين اليهود» بالرواية العبرية

رسالة دكتوراه تفتح نافذة على صورة المستعربين اليهود وتمثلاتهم بين الهوية والانتماء والعلاقة بالمجتمعات العربية
في تقاطع لافت بين الصحافة والبحث الأكاديمي، خاضت الباحثة والزميلة الصحفية بشبكة رؤية الإخبارية شروق صبري محمود محمود صالح تجربة علمية جديدة، تُوجت بحصولها على درجة الدكتوراه من جامعة عين شمس، عقب مناقشة رسالتها التي حملت عنوان: «المستعربون اليهود في الرواية العبرية المعاصرة: دراسة في نماذج مختارة».
وجاءت مناقشة الرسالة خلال جلسة علمية عُقدت اليوم الثلاثاء 8 سبتمبر 2026، بقاعة المؤتمرات في كلية الآداب بجامعة عين شمس، في مناسبة جمعت بين الدرس الأكاديمي المتخصص والبحث في واحدة من الشخصيات التي تقف عند منطقة شديدة التعقيد بين الأدب والتاريخ والهوية والثقافة.
لم تكن الرسالة مجرد قراءة لشخصيات روائية تظهر في عدد من الأعمال العبرية، وإنما محاولة للغوص في الطريقة التي صاغ بها الأدب العبري المعاصر صورة «المستعرب اليهودي»، وكيف جرى تقديم هذه الشخصية داخل البناء السردي، وما تحمله من دلالات تتجاوز حضورها الروائي المباشر.
من صفحات الرواية إلى أسئلة الهوية
تتناول الدراسة صورة «المستعربين اليهود» وتمثلاتهم في مجموعة من النماذج المختارة من الرواية العبرية المعاصرة، من خلال مقاربة أدبية تسعى إلى تحليل حضور هذه الشخصيات داخل النصوص الروائية، والكشف عن القضايا المرتبطة بها.
وتقف في مقدمة هذه القضايا أسئلة الهوية والانتماء، وطبيعة العلاقة بين اليهود والمجتمعات العربية، إلى جانب البحث في الخلفيات الثقافية واللغوية التي ارتبطت بشخصية المستعرب، وكيف تعامل معها الروائي العبري ووظفها في سياقات سردية متعددة.
وهنا تكتسب الدراسة خصوصيتها؛ فالمستعرب اليهودي ليس شخصية عابرة في سياق روائي فحسب، وإنما شخصية تقف في مساحة مشتركة بين عالمين، وتحمل في تكوينها صلة باللغة والثقافة والمجتمعات العربية، الأمر الذي يجعل حضورها في الأدب العبري مجالًا خصبًا لطرح أسئلة تتعلق بالانتماء والهوية والصورة المتبادلة بين الثقافتين.

لجنة علمية تبحث في الدراسة
شهدت المناقشة مشاركة نخبة من أساتذة الأدب العبري والدراسات العبرية والإسرائيلية، حيث ضمت لجنة الحكم والمناقشة الأستاذ الدكتور أحمد كامل راوي، أستاذ الأدب العبري الحديث والمعاصر وعميد كلية الآداب بجامعة العاصمة، رئيسًا ومناقشًا.
كما شاركت الأستاذة الدكتورة حنان كامل متولي، أستاذ الدراسات العبرية والإسرائيلية الحديثة والمعاصرة وعميدة كلية الآداب بجامعة عين شمس، عضوًا ومناقشًا.
وضمت اللجنة كذلك الأستاذة الدكتورة سامية جمعة علي منصور، أستاذ الأدب العبري الحديث والمعاصر المتفرغ والقائم بأعمال رئيس قسم اللغة العبرية وآدابها بكلية الآداب بجامعة عين شمس، مشرفًا رئيسيًا على الرسالة.
الأدب بوصفه مرآة للتاريخ والهوية
تنتمي دراسة شروق صبري إلى مجال الدراسات المتخصصة في الأدب العبري الحديث والمعاصر، لكنها في الوقت نفسه تلامس مجموعة من الملفات المتشابكة التي تتجاوز حدود النص الأدبي، إذ تضع شخصية المستعرب اليهودي في سياق أوسع يرتبط بالتاريخ والثقافة والهوية والعلاقات العربية الإسرائيلية.
وتحاول الدراسة قراءة الطريقة التي قدمت بها الرواية العبرية المعاصرة هذه الشخصيات، وما إذا كان حضورها الروائي يعكس صورة محددة للعرب والثقافة العربية، أو يكشف عن تصورات خاصة بالهوية اليهودية وعلاقتها بالمحيط العربي.
فاللغة والثقافة ليستا مجرد خلفية لشخصيات الرواية، وإنما يمكن أن تتحولا إلى عنصر أساسي في تشكيل الشخصية ومسارها داخل العمل الأدبي، وهو ما يجعل «المستعرب» نموذجًا غنيًا للدراسة والتحليل.
بين الصحافة والأكاديمية
وتمنح الخلفية الصحفية للباحثة شروق صبري للرحلة الأكاديمية بعدًا آخر؛ فالمهنة التي تقوم في جانب منها على البحث والتدقيق والاقتراب من التفاصيل تلتقي هنا مع البحث العلمي، الذي يتطلب بدوره قراءة متأنية وتحليلًا عميقًا ومساءلة مستمرة للمادة المدروسة.
ومن هذا المنطلق، تبدو رحلة الحصول على الدكتوراه أكثر من مجرد محطة أكاديمية؛ فهي امتداد لمسار يجمع بين العمل الصحفي والبحث العلمي، ويضع المعرفة المتخصصة في قلب الاهتمام بقضايا الأدب والثقافة والهوية.
دراسة تفتح بابًا لقراءات جديدة
وتكتسب الرسالة أهميتها من كونها تتناول فئة من الشخصيات ارتبطت بصورة مباشرة باللغة والثقافة والمجتمعات العربية، ثم تعود لتظهر داخل الرواية العبرية المعاصرة في سياقات سردية مختلفة.
ومن خلال تتبع هذه الشخصيات وتحليل أدوارها ودلالاتها، تقدم الدراسة مساحة للتفكير في الطريقة التي يمكن للأدب من خلالها أن يعيد تشكيل الشخصيات التاريخية والثقافية، وأن يمنحها معاني جديدة وفقًا للسياق الذي تظهر فيه.
وهكذا، لا تتوقف أهمية البحث عند حدود دراسة نموذج روائي بعينه، وإنما تمتد إلى مساءلة العلاقة بين الأدب والهوية والتاريخ والثقافة، وكيف يمكن للنص الأدبي أن يصبح ساحة لإعادة إنتاج صور الآخر، وتشكيل التصورات المتعلقة بالانتماء والعلاقة بين الجماعات والثقافات.
وفي نهاية رحلة البحث والمناقشة، جاءت درجة الدكتوراه تتويجًا لمسار علمي خاضته شروق صبري في موضوع شديد الخصوصية، لتضيف دراستها حلقة جديدة إلى سلسلة البحوث العربية المتخصصة في الأدب العبري الحديث والمعاصر، وتفتح الباب أمام مزيد من القراءات التي تتعامل مع الرواية ليس باعتبارها نصًا أدبيًا فحسب، وإنما باعتبارها وثيقة ثقافية يمكن من خلالها قراءة تحولات الهوية وصور الآخر وتقاطعات التاريخ مع الأدب.





