المرض الغامض.. من عدوى مجهولة إلى الاشتباه في كارثة إشعاعية
كارثة ميت حلفا.. كيف قتلت كبسولة إشعاعية أسرة مصرية كاملة؟ (الجزء الثاني)

مع مرور الأيام، بدأت العلامات الأولى للكارثة في الظهور، لكن أحدًا لم يكن يتخيل أن السبب الحقيقي هو مصدر إشعاعي موجود داخل المنزل.
كانت البداية مع الحلقة الأضعف في الأسرة، الطفل حسن فضل، الذي سبق أن أشرنا إلى حالته في مستهل هذا التحقيق.
بدأ الطفل يعاني من أعراض إعياء شديدة تمثلت في القيء والغثيان والإرهاق المستمر. ذلك الطفل الذي اعتاد اللعب في شوارع القرية وقضاء يومه بين أصدقائه، أصبح فجأة ضعيف الحركة، قليل الكلام، فاقدًا لحيويته بصورة لافتة.
لاحظ أفراد أسرته التغير الذي طرأ على حالته الصحية، إلا أنهم اعتقدوا في البداية أنه يعاني من نزلة برد أو التهاب معوي عابر، فتوجهوا به إلى الوحدة الصحية.
هناك، قام الطبيب بالكشف عليه، ودوّن الأعراض الظاهرة، ثم وصف له بعض الأدوية المساعدة باعتبار أن ما يعاني منه مجرد دور برد شديد أو نزلة معوية.
لكن الأيام التالية حملت تطورات أكثر خطورة.
فقد بدأت تظهر على جسد الطفل حروق جلدية غريبة لا تفسير واضحًا لها، ولم يقتصر الأمر عليه وحده، بل بدأت الأعراض نفسها تظهر تدريجيًا على بقية أفراد الأسرة.
كانت الأعراض متفرقة ومتنوعة، حتى بدت وكأن كل شخص يعاني مرضًا مختلفًا عن الآخر، وهو ما جعل الوصول إلى تشخيص صحيح أمرًا بالغ الصعوبة.
وخلال تلك الفترة، أصبحت أسرة فضل تتردد باستمرار على الوحدة الصحية طلبًا للعلاج، ومع مرور الوقت بدأت الوحدة تستقبل حالات أخرى تحمل الأعراض نفسها.
في تلك المرحلة، كان أول تفسير طبي خطر على بال الأطباء هو احتمال وجود عدوى أو وباء بدأ ينتشر داخل القرية.
غير أن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
فداخل كل خلية من خلايا أجساد المصابين، كانت أشعة جاما تواصل عملها المدمر في صمت، حيث أخذت تدمر الحمض النووي، وتقضي على الخلايا الأسرع نموًا، مثل خلايا الجلد وخلايا نخاع العظام، بينما بدأت التشوهات والطفرات الجينية في التشكل.
وفي الوقت الذي كان الجميع يبحث فيه عن طبيعة المرض أو العدوى، ظل المصدر المشع داخل منزل الأسرة يطلق إشعاعه القاتل ليلًا ونهارًا، دون أن يشعر به أحد.
أول الضحايا
لم يتمكن جسد الطفل حسن الصغير من تحمل آثار التعرض الإشعاعي لفترة أطول.
فبعد تدهور حالته الصحية بصورة حادة، توفي الطفل.
لكن المأساة لم تنته عند هذا الحد.
فبعد فترة قصيرة، توفي والده هو الآخر، بعد أن ظهرت عليه الأعراض نفسها تقريبًا.
هنا أصبح واضحًا أن الأمر لا يتعلق بمرض عادي.
كيف يموت أب وابنه بالأعراض نفسها؟
ولماذا بدأت بقية أفراد الأسرة يعانون الأعراض ذاتها؟
ولماذا ظهرت علامات المرض أيضًا على بعض الجيران والأشخاص الذين اعتادوا زيارة المنزل؟
في تلك اللحظة بدأ يتشكل نمط واضح أمام الفريق الطبي.
وبات هناك احتمال مرعب يفرض نفسه.
الأعراض التي يشاهدها الأطباء لم تعد مجرد أعراض متشابهة، بل أصبحت تتطابق بصورة كبيرة مع أعراض متلازمة التعرض الإشعاعي الحاد.
لكن السؤال الذي بقي بلا إجابة كان أكثر غرابة من المرض نفسه.
كيف يمكن أن يحدث تعرض إشعاعي حاد داخل قرية مصرية هادئة؟
هيئة الطاقة الذرية تدخل على خط التحقيق
بمجرد ظهور احتمال التعرض الإشعاعي، تم إبلاغ هيئة الطاقة الذرية المصرية على الفور.
استجابت الهيئة بسرعة، وأرسلت فريقًا متخصصًا إلى القرية.
بدأ الفريق بتحديد بؤرة الإصابات، ثم شرع في مسح المنطقة باستخدام أجهزة قياس الإشعاع.
كان المسح يتم مترًا بعد متر.
وفجأة...
أطلقت أجهزة القياس إشاراتها التحذيرية.
بدأت القراءات ترتفع بصورة غير طبيعية.
في تلك اللحظة، تحول الشك إلى يقين.
واصل الفريق عملية المسح، وكلما اقترب من منزل فضل ارتفعت معدلات الإشعاع بصورة أكبر.
أصبح من المؤكد أن مصدر الإشعاع موجود داخل المنزل نفسه.
دخل أفراد الفريق إلى المنزل، وبدأوا عملية تفتيش دقيقة داخل الغرف، بحثًا عن جسم صغير للغاية، لا يزيد حجمه على عقلة إصبع، لكنه قادر على إطلاق جرعات قاتلة من الإشعاع.
وبعد تتبع الإشارة الإشعاعية بدقة، نجح الفريق في العثور على المصدر المشع.
كانت القطعة المعدنية الصغيرة التي ظن الجميع أنها مجرد خردة أو قطعة معدنية عادية.
هي نفسها التي تسببت في الكارثة.
كانت الكبسولة المشعة التي حملها المزارع إلى منزله دون أن يعلم أنها تحمل الموت معه.
تابع في الجزء الثالث...

