رسالة إلى العالم من القاهرة .. بقلم سناء محمد أحمد محمد

هذا ليس مشهداً من فيلم خيال علمي، ولا مبالغات "فيسبوكية"، بل هو واقع رصده العالم بذهول في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026، إليك تفاصيل الظاهرة التي جعلت خبراء علم الاجتماع يعيدون حساباتهم في الشخصية المصرية.
إحصائيات مرعبة: 800 ألف إنسان في "حرم الثقافة"
في يوم الجمعة الموافق 30 يناير 2026، سجلت البوابات الإلكترونية رقماً تاريخياً؛ 807 ألف و245 زائراً في يوم واحد! لكي تستوعب حجم هذه "الكارثة الجميلة"، تذكر أن أكبر استادات العالم لا تسع أكثر من 150 ألف متفرج، نحن هنا نتحدث عن تجمع بشري يعادل سعة أكبر استاد في العالم 5 مرات ونصف، كلهم جاءوا في "خروجة ثقافية" مهيبة.
سيكولوجية الحشد: لماذا لم تحدث خناقة واحدة؟
في لغة الأرقام، أي تجمع بهذا الحجم عالمياً يعني حتمية حدوث تدافع أو مشاجرات، لكن معرض الكتاب كسر هذه القاعدة.
الاندماج المجتمعي المذهل:
رأينا "السيناوي" بجانب "الإسكندراني"، والبدلات الفاخرة بجوار الجلابيب الأصيلة، والكل يذوب في كيمياء واحدة.
المحصلة الأمنية (صفر):
لم تُسجل حالة تحرش واحدة أو مشاجرة تستدعي التدخل، السر يكمن في "الحرم الثقافي"؛ فالمصري حين يدخل مكاناً يحترمه، تصحو جيناته المتحضرة فجأة.
أكذوبة "الشعب الذي لا يقرأ" تتهاوى أمام شباك التذاكر
منذ أن أسس العظيم "ثروت عكاشة" والدكتورة "سهير القلماوي" هذا الصرح عام 1969، لم يكن مجرد سوق للورق.
اليوم، وبعد أن كسر إجمالي الزوار حاجز 4.5 مليون إنسان، يجب أن يصمت كل من يدعي أن اهتمام المصريين ينحصر في "لقمة العيش" فقط، هؤلاء الزوار تحملوا الزحام والمشي لمسافات طويلة من أجل "كتاب" أو حتى لمجرد استنشاق ريحة الورق.
الخلطة السحرية: معرض الكتاب "كرنفال الحياة المصرية"
المعرض تحول إلى "رئة" يتنفس منها المجتمع. تجد ناشر روايات الرعب بجوار بائع الشاورما، وعازف العود بجانب ندوة لفيزيائي مرموق، إنها حالة "فصلان" (Disconnection) عن ضجيج الحياة، وعودة لروح الأسرة المصرية التي افتقدناها في شوارعنا الصاخبة.
رسالة للعالم من قلب القاهرة
منذ عصر "الوراقين" وصولاً إلى التجمع الخامس، تظل علاقة المصري بالمعرفة علاقة "مقدسة"، المشهد الأروع الذي حبس الأنفاس هو مشهد صلاة الجمعة في ساحات المعرض؛ منظر لا يتكرر بجلاله إلا في الحرم المكي. هذه الصورة تقول للعالم: "هذا نحن.. بكل جمالنا وتناقضاتنا وحبنا للحياة".
البلد دي فيها حاجة حلوة، لكنها لا تُرى إلا بعين "القارئ" المحب، لا بعين "الناقد" المتربص.

