تقلبات السندات اللبنانية في ظل التوترات الإقليمية الكبرى

تشهد الأسواق المالية العالمية حالة من الاضطراب غير المسبوق نتيجة الحرب المباشرة التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وهو ما أدى إلى تراجع حاد في معظم المؤشرات الاقتصادية. ومع ذلك، يبرز استثناء غريب يثير دهشة المراقبين والمتابعين لآخر اخبار لبنان، حيث سجلت سندات "اليوروبوند" اللبنانية المتعثرة قفزات سعرية غير متوقعة. فبينما تنهار الأصول التقليدية، يرى بعض المستثمرين الأجانب في الديون اللبنانية فرصة لاقتناص الربح من قلب الركام، مراهنين على تحولات سياسية وهيكلية قد تعيد رسم مستقبل البلاد الاقتصادي بعد عقود من الارتهان للقرار الخارجي.
لغز ارتفاع السندات المتعثرة وسط الحرب
يدين حملة السندات اللبنانية، ومعظمهم من صناديق الاستثمار الدولية المتخصصة في الديون المتعثرة، بالفضل في هذه القفزة للسياسات الأمريكية الأخيرة. فقد ارتفعت أسعار السندات منذ يناير الماضي بنسبة تتجاوز 25% لتصل إلى نحو 29 سنتاً لكل دولار عشية اندلاع الحرب، ثم واصلت ارتفاعها الطفيف لتتخطى 31 سنتاً هذا الأسبوع. هذا الارتفاع ليس ناتجاً عن تحسن ملموس في المؤشرات المالية المحلية، بل هو محرك تقني يعتمد على "تفاؤل الصدمة"؛ أي المراهنة على أن الصراع العسكري الحالي سيؤدي إلى تغيير سياسي جذري يمهد الطريق لإعادة هيكلة الديون المتعثرة منذ عام 2020.
يعود جزء من هذا التفاؤل إلى النموذج الفنزويلي، حيث أدت العمليات العسكرية الأمريكية والإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو إلى ارتفاع حاد في سندات فنزويلا، مما شجع المستثمرين على البحث عن فرص مشابهة في الأسواق المتعثرة. وبما أن معظم مشاكل الديون السيادية في الدول الأخرى قد سويت العام الماضي، لم يتبق أمام الصناديق الدولية سوى الساحة اللبنانية للمغامرة، معتبرين أن أي تراجع لنفوذ الأطراف الموالية لإيران سيقود حتماً إلى انتعاش مدعوم دولياً.
التحديات الهيكلية ودور المؤسسات النقدية
رغم بريق الأرقام في أسواق السندات، إلا أن الواقع على الأرض أكثر تعقيداً مما تظهره شاشات التداول. فنجاح أي خطة للتعافي الاقتصادي يعتمد بشكل أساسي على قدرة الدولة على إصلاح القطاع المصرفي، وتحديداً ما يتعلق بميزانية مصرف لبنان ومعالجة الفجوة المالية الضخمة. إن المعارضة الداخلية لمشاريع القوانين الإصلاحية، مثل قانون "الفجوة المالية"، لا تنبع فقط من القوى السياسية المسلحة، بل تتركز بشكل كبير بين أصحاب البنوك المحلية وكبار المودعين الذين يمتلكون نفوذاً واسعاً داخل البرلمان ويخشون من تحميلهم الجزء الأكبر من الخسائر.
علاوة على ذلك، فإن صندوق النقد الدولي لا يزال ينظر بعين الريبة إلى المقترحات اللبنانية الأخيرة، معتبراً إياها غير متماشية مع المعايير الدولية. هذا يعني أن الطريق نحو اتفاق نهائي يتيح إعادة هيكلة الديون لا يزال طويلاً ومليئاً بالأشواك التشريعية، مما يجعل مراهنات المستثمرين على حل قريب تمهده الغارات الجوية نوعاً من الإفراط في التفاؤل الذي قد يصطدم بصخرة الواقع البيروقراطي والسياسي اللبناني.
أثر العدوان الإسرائيلي على كلفة إعادة الإعمار
تتجاهل حسابات الصناديق الاستثمارية أحياناً الكلفة البشرية والمادية الباهظة للعدوان الإسرائيلي المستمر. فكل هجوم يستهدف البنية التحتية اللبنانية يزيد من فاتورة إعادة الإعمار التي سيتعين على الدولة سدادها مستقبلاً. وفي بلد يعاني أصلاً من تهالك في قطاعات الكهرباء والمياه والاتصالات، يصبح من الصعب التصور بأن المجتمع الدولي سيهرع لتسديد ديون المستثمرين الأجانب قبل معالجة الحاجات الإنسانية الأساسية والدمار الهائل في الجنوب والضاحية وبقية المناطق.
صحيح أن هناك رغبة دولية في دعم لبنان "الجديد" حال حدوث تحول سياسي كبير، ولكن تغير الأولويات الدولية وازدحام الأزمات في مناطق أخرى من العالم يجعل من هذا الدعم أمراً غير مضمون التوقيت أو الحجم. إن الرهان على أن الصواريخ هي التي ستفتح أبواب الإصلاح الاقتصادي هو تبسيط مخل لواقع بلد يحتاج إلى مصالحة وطنية شاملة وإصلاحات مؤسسية عميقة تتجاوز مجرد تغيير الأسماء في السلطة.
السيادة المفقودة وقرار حظر الأنشطة العسكرية
في محاولة يائسة لمنع العدوان الإسرائيلي الشامل، اتخذت الحكومة اللبنانية قراراً رمزياً بحظر الأنشطة العسكرية لحزب الله وإلزامه بتسليم سلاحه. ورغم أن هذا القرار ساهم في تعزيز صورة الدولة أمام المحافل الدولية وفي انتخاب رئيس للجمهورية وتكليف رئيس وزراء يحظى بقبول عربي ودولي، إلا أن القدرة التنفيذية على الأرض تبقى موضع تساؤل كبير. إن نزع سلاح ميليشيا متجذرة قسراً دون التوصل إلى حل سياسي شامل قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية لا تقل خطورة عن الحرب الخارجية، مما قد يجهض أي بصيص أمل في الاستقرار المالي.
إن التراجع في نفوذ الجماعات الموالية لإيران قد يفتح نافذة للحل، لكنه لا يغلق أبواب الأزمات الأخرى. فالاقتصاد اللبناني يحتاج إلى أكثر من مجرد إضعاف طرف سياسي؛ إنه يحتاج إلى استعادة الثقة بالنظام القضائي، ومكافحة الفساد المستشري، وتأمين تدفقات نقدية مستدامة بعيداً عن جيوب المراهنين في أسواق السندات المتعثرة.
في نهاية المطاف
يبقى لبنان وقضية ديونه السيادية ساحة للمفارقات الاستثمارية الصارخة. وبينما يقف المواطن اللبناني تحت وطأة القصف والانهيار المعيشي، يبحث المضاربون الدوليون عن الربح في أسعار سندات تعكس توقعات سياسية مفرطة في التفاؤل. إن الخروج من النفق المظلم يتطلب إرادة وطنية حقيقية قادرة على تنفيذ شروط صندوق النقد الدولي وإعادة هيكلة النظام المصرفي بجرأة، بعيداً عن الأوهام التي يروج لها البعض بأن الحل سيأتي محمولاً على أجنحة الطائرات الحربية. الأزمة الطاحنة لن تستمر للأبد، لكن الرهان على النهايات السريعة في واقع معقد كواقع لبنان يبقى مغامرة غير مأمونة العواقب.

